منتدى وموقع نادي الإمام مالك العلمي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته مرحبا بك أخي الزائر أختي الزائرة ، نتشرف بتسجيلكم في منتدى نادي الإمام مالك العلمي، ونتمنى لكم ومنكم الإفادة والإستفادة

منتدى وموقع نادي الإمام مالك العلمي


 
الرئيسيةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الجزء 2 من ضوابط العلاقة بين الحاكم والمحكوم في الإسلام

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمود أبو العلا
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 8
نقاط : 16054
تاريخ التسجيل : 28/03/2014

مُساهمةموضوع: الجزء 2 من ضوابط العلاقة بين الحاكم والمحكوم في الإسلام   السبت مارس 29, 2014 11:16 am

وحذر عليه الصلاة والسلام من التنافس على هذه الحياة بأية صورة من الصور ، فروي عن عمرو بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها ، وكان رسول الله عليه الصلاة والسلام هو صَالحَ أهل البحرين ، وأمّر عليهم العلاء بن الحَضْرَمِي ، فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين ، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة ، فَوَافَوْا صلاة الفجر مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما انصرف تعرضوا له ، فتبسم رسول الله حين رآهم ، ثم قال : " أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء " قالوا : أجل يا رسول الله ، قال : " فأبشروا وأمّلوا ما يسركم ، فوالله ما الفقر أخشى عليكم ، ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان من قبلكم ، فتتنافسوها كما تنافسوها ، وتهلككم كما أهلكتهم ".
والنزاع على الحكم هو مظهر من مظاهر التنافس عليها يقينا ، فلا ينبغي لنا أن نفعله بدرجة تصل إلى حد الاقتتال ، فنحن تاركوها قريبا ، عن ابن مسعود قال : نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير ، فقام وقد أثر في جنبه ، فقلنا : يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء ؟ فقال : " ما لي وما للدنيا ؟ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها ".
وهي عند الله أحقر من الميتة ، فعن المستورد بن شداد قال : كنت مع الركب الذين وقفوا مع رسول الله عليه الصلاة والسلام على السّخْلة ( ولد الشاة الصغير ) الميتة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أترون هذه هانت على أهلها حين ألقوها " ؟ قالوا : من هَوَانِهَا ألقوها يا رسول الله ، قال : " فالدنيا أهْوَنُ على الله من هذه على أهلها " وأهون من جدي ميت ، فعن عن جابر بن عبد الله رضي اله عنه : أن رسول الله عليه الصلاة والسلام مر بالسوق داخلا من بعض العالية والناس كنفته ، فمر بجدي أسَكّ ميت ، فتناوله فأخذ بأذنه ، ثم قال : " أيكم يحب أن هذا له بدرهم " ؟ فقالوا : ما نحب أنه لنا بشيء ، وما نصنع به ؟ قال : " أتحبون أنه لكم " ؟ قالوا : والله لو كان حيا ، كان عيبا فيه أنه أسَكّ ، فكيف وهو ميت ؟ فقال : " فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم ".
نعم هكذا ينبغي أن ننظر لها ، فلا نتأثر بما عليه الأمم الأخرى ، هي جنتهم ، وسجن لنا أتباع الرسول محمد عليه الصلاة والسلام ، عن أبى هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر " رواه مسلم
إننا حين ننظر إليهم يتسابقون في تنظيم شؤون بلدانهم فيبنون مدنا حديثة ، بها طرق فسيحة ، وجسور رفيعة ، وحدائق بهيجة ؛ وحين يتفوقون علينا وعلى بعضهم في الأدوات والمعدات الالكترونية ، والصناعات الحديثة والتكنولوجية ، يجب أن نتذكر قول الحق سبحانه : " لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلا مِنْ عِنْدِ اللهِ وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَار " وحين نرى ما هم عليه من تفنن في المغريات من المُتَعِ والمأكل والمشرب والملذات ، يجب أن لا يغيب عنا قول الله تعالى : " ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ " وحين نراهم يقيمون المسابقات الرياضية ، والموسيقية ، والغنائية ، والألعاب الموسمية ، ينبغي أن نتذكر قوله سبحانه : " فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (42) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (43) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ " وجدير بالمسلم حين يراهم في لهو ولعب أن يحمد الله أنه ليس من هؤلاء الغافلين عن ذكر رب العالمين ، لا أن يشعر بالأسف على حاله لأنه ليس من المعذبين ؛ روى أبو داود في سننه عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : لما فتحنا خيبر أخرجوا غنائمهم من المتاع والسبي ، فجعل الناس يتبايعون غنائمهم ، فجاء رجل حين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله لقد ربحت ربحا ما ربح اليوم مثله أحد من أهل هذا الوادي ، قال : " ويحك وما ربحت ؟ " قال : ما زلت أبيع وأبتاع حتى ربحت ثلاثمائة أوقية ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنا أنبئك بخير رجل ربح " قال : ما هو يا رسول الله ؟ قال " ركعتين بعد الصلاة " ؛ وروى مسلم عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها ".
إنه يتعين علينا أن نحدد خيارنا هل نفخر بسلفنا ونحرص على اتباعهم ، فلا نأسى على حالنا إذا تفوق هؤلاء الهالكون ؟ أم نحرص على الاقتداء بهؤلاء المعذبين يوم الدين فنتمنى أن نكون أكثر تقنية وحداثة منهم ؟ أما أن نتمنى أن نكون مثل السلف في العبادات والمعاملات وغير ذلك ، ومثل هؤلاء في التقنية والسيطرة على الأرض ، فهذا من وهم الواهمين ، ومن قبيل الجمع بين الضدين ، فالعبادات التي كان يؤديها سلفنا لا يمكن لإنسان أن يأتي بمثلها إذا كان حريصا على شؤون الحياة ؛ والآخرون لو كانوا يعقلون لعملوا العمل الذي ينجيهم يوم القيامة ، أمَا وقد اختاروا العمل الذي يلهيهم في الحياة الدنيا عنه فعما قليل يجدون أنفسهم أمام قوله تعالى : " مَا يَنْظُرُونَ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52) إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (53) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ " وأمام قوله : " فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13) وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (14) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (15) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ".
لذا ينبغي أن لا يؤثر علينا ما ذكر ولا غيره ، ولا علينا تفوقوا أوْ فشلوا ، فنحن المتفوقون يوم لا ينفع مال ولا بنون " ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا " لهذا ونحوه كان الرسول يوصي الصحابة والمسلمين من بعدهم ، روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال : " كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل " وأضاف البخاري رحمة الله عليه : " وكان ابن عمر يقول : إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح ، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء ، وخذ من صحتك لمرضك ، ومن حياتك لموتك " عليك أيها المسلم أن تهتم بالانتقال لذلك المقر الآجل ، إن لم تكن من الساخرين.
ولقد ألجأنا إلى هذا الإطناب أن كلام بعض علماء المسلمين وغيرهم من المثقفين يوحي بالشعور بالأسى والحزن إلى حد الإحباط من حال الأمة المحمدية بسبب تخلفها عن أصحاب الجحيم في التقنية ، فاليابانيون صنعوا كذا وكذا في التكنولوجيا ، والأمريكان اخترعوا كذا وكذا في الطب ، والروس طوّروا النوع كذا وكذا من السلاح ، ومن وجهة شرعية فهذا كله ينبغي أن لا نحفل به كثيرا ، فإن الله سبحانه أمرنا إذا سلّطَنا على الأرض بأشياء لا علاقة لها بمثل هذا من قريب أو بعيد ، قال سبحانه : " الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَر وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُور ".
إنه لا أهمية عند الله لتفوقهم في هذه الأمور إطلاقا ، وهذا يجب أن لا يغيب عن بالنا ، فنحن إنما خلقنا الله لنعبده وحده لا نشرك به شيئا ، ولا أحدا ، أما أن نهتم بأمر هؤلاء الذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة ونرغب في التفوق عليهم فهذا من غفلة الغافلين ، ويجب أن نتنبه لهذا وننشره بيننا ، فهذا من باب النصح للمسلمين ، أليس الله قد قال في سورة الزخرف : " وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ " لا بد من الاهتمام بما بعد الموت ، فعن شداد بن أوس رضي الله عنه : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني " رواه الطبراني ، ولقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها ".
إن الدنيا التي يتسابقون عليها ، ويريد بعض علمائنا أن نسابقهم لكي نسبقهم ، هي عند الله سبحانه وتعالى أحقر من شاة ميتة انتفخت حتى ارتفعت رجلها وانبعثت منها الرائحة الكريهة ، ولا تساوي جناح بعوضة ، فعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة ، فإذا هو بشاة ميتة شائلة برجلها فقال : " أترون هذه هينة على صاحبها ؟ فَوَالذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه على صاحبها ، ولو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها قطرة أبدا ".
فتكوين الأحزاب ، وتداول السلطة ، وإسقاط الحكومة لفشلها في الإدارة ، وحرية التظاهر ، وتحسين البنية التحتية هو كشاة ميتة ؛ والحرص على الحصول على هذه الأشياء إلى حد الاقتتال عليها لا يختلف عن الحرص على الحصول على شاة ميتة إلى حد الاقتتال عليها ، فهل من الحكمة أن يصل بنا الغباء إلى هذا الدرك ؟ !!.
لم يأت في القرآن أن الخاسر من تفوّقَ عليه غيره في هذه الحياة ، بل جاء فيه أن الخاسر حقيقة هو من يخسر يوم القيامة ؛ قال سبحانه : " قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ " وجاء فيه أن من فاز يومها فهو الفائز حقا ، قال عز وجل : " كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُور " فانتبه لهذا أيها المسلم " وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ".
نعم لننتبّهْ جيدا ، فإن الكثير من الناس اتجهوا للاهتمام بالأفكار الأوربية التي يوم القيامة لا تسمنهم ولا تغنيهم من جوع ، واهتموا بها أكثر من اهتمامهم بالنصوص الشرعية التي سيحاسبون على ضوئها يوم لا ينفع مال ولا بنون ، بل إنهم يضربون بعرض الحائط صريح الأدلة.
إن على المسلم أن يضع أولويات في التزاماته الحياتية ولا يجعلها في مستوى واحد ، ومن مظاهر الانحراف في ترتيب الأولويات التركيز على أن يكون للفرد المسلم دورا في تسيير شؤون السياسة والاقتصاد وغيرها ، ولو بطريق مخالف لتعاليم الإسلام ، والحرص على سماع وسائل الإعلام اليوم تتحدث عما وصل إليه المواطن العربي من تقدم في التعبير عن رأيه وتقرير مصير بلده ، أيا كان الأسلوب الذي اتبعوه في الوصول لذلك ، وبدل أن يراجعوا مواقفهم ويتوبوا إلى الله فإنهم يصرون على أن عملهم لم يخالف الأدلة الشرعية ( ولو بالقوة ) ! إن هذه الفيروسات التي حقننا بها فلاسفة العصر قد دمرتنا ، ومما يدعو للعجب حرص بعضنا عليها أكثر من حرصهم على التمسك بشعائر الإسلام ، وعلى بذل أرواحهم فداء لها ، فوصل الأمر إلى الاقتتال في سبيلها ، كما لو كنا نقتتل في سبيل الله !!.

رسالة إلى المثقفين المعجبين بالحضارة الغربية :
نعلم أن المثقفين عامة وبعض الفقهاء هم من يدفع العامة إلى الحرص على أن نحيا كما يحيا الناس في الغرب ، فكثيرون يتمنون أن يحيا بينهم ، وهي فكرة كانت تراود بعض مسلمي المغرب الأقصى حين سقطت الأندلس في يد الأسبان ، بقيادة الفونسو ، حيث إن بعضهم هاجر من الأندلس إلى المغرب ليحيا حياة رغدة واسعة ، فيحصل له ثواب الهجرة والفرار بالدين من جهة ، ويعيش في بحبوحة ورفاهية وترف مع المسلمين في المغرب الأقصى ، ولما استقر به المقام هناك لم يجد الحياة التي كانت تداعب أحلامه ، فندم على هجرته من الأندلس إلى المغرب ، حتى إن منهم من قال إن قائد الأسبان لو وصل إلى مكان ( كذا ) سيتصل به ليطلب منه الإذن له بالعودة والعيش في ظله ، وأن الهجرة تجب من المغرب إلى أسبانيا ، لا من أسبانيا إلى المغرب كما فعل ، وقد دفع هذا بعض معاصريهم لمعرفة حكم مثل هؤلاء ، ووجه السؤال إلى العلامة أحمد الونشريسي ، الذي نقل السؤال عنها والإجابة عليه في كتاب أسنى المتاجر.
وجاء فيه : جوابكم يا سيدي رضي الله عنكم ، ومتع المسلمين بحياتكم ، في نازلة وهي أن قوما من هؤلاء الأندلسيين الذين هاجروا من الأندلس وتركوا هناك الدور والأرضين والجنات والكرمات ، وغير ذلك من أنواع الأصول ، وبذلوا زيادة على ذلك كثيرا من ناضّ المال وخرجوا من تحت حكم الملة الكافرة ، وزعموا أنهم فروا إلى الله سبحانه بأيديهم ، وأنفسهم ، وأهليهم ، وذرياتهم ، وما بقى بأيديهم أو أيدي بعضهم من الأموال ، واستقروا بحمد الله سبحانه بدار الإسلام تحت طاعة الله ورسوله وحكم الذمة المسلمة ، ندموا على الهجرة بعد حصولهم بدار الإسلام ، تسخطوا وزعموا أنهم وجدوا الحال عليهم ضيقة ، وأنهم لم يجدوا بدار الإسلام التي هي دار المغرب هذه صانها الله وحرس أوطانها ونصر سلطانها بالنسبة إلى التسبب في طلب أنواع المعاش على الجملة رفقا ولا يسرا ولا مرتفقا ، ولا إلى التصرف في الأقطار أمنا لائقا ، وصرحوا في هذا المعنى بأنواع من قبيح الكلام الدال على ضعف دينهم ، وعدم صحة يقينهم في معتقدهم ، وأن هجرتهم لم تكن لله ورسوله كما زعموا ، وإنما كانت لدينا يصيبونها ، عاجلا عند وصولهم ، جارية على وفق أهوائهم ، فلما لم يجدوها وفق أغراضهم ، صرحوا بذم دار الإسلام وشأنه ، وشتم الذي كان السبب لهم في هذه الهجرة وسبه ، وبمدح دار الكفر وأهله ، والندم على مفارقته ، وربما حُفِظ عن بعضهم أنه قال على جهة الإنكار للهجرة إلى دار الإسلام التي هي هذا الوطن صانه الله : إلى ها هنا يهاجر مَن هنالك !! بل من ها هنا تجب الهجرة إلى هناك ، وعن آخر منهم أيضا أنه قال : إن جاز صاحب قشتالة إلى هذه النواحي نسير إليه ، فنطلب منه أن يردنا إلى هناك ، يعنى إلى دار الكفر ، ومعاودة الدخول تحت الذمة الكافرة كيف أمكنهم.
فما الذي يلحقهم في ذلك من الإثم ونقص رتبة الدين والجرحة ؟ وهل هم به مرتكبون المعصية التي كانوا فروا منها إن تمادوا على ذلك ولم يتوبوا ولم يرجعوا إلى الله سبحانه منه ؟ وكيف بمن رجع منهم بعد الحصول في دار الإسلام إلى دار الكفر والعياذ الله ؟ وهل يجب على من قامت عليه منهم بالتصريح بذلك أو بمعناه شهادة أدب ؟ أو لا حتى يتقدم إليهم فيه بالوعظ والإنذار فمن تاب إلى الله سبحانه ترك ورجي له قبول التوبة ومن تمادى عليه أدّب ؟ أو يعرض عنهم ويترك كل واحد منهم وما اختاره ، فمن ثبته الله في دار الإسلام راضيا فله نيته وأجره على الله سبحانه ؟ ومن اختار الرجوع إلى دار الكفر ومعاودة الذمة الكافرة ترك يذهب إلى سخط الله ؟ ومن ذم دار الإسلام منهم تصريحا أو معنى ترك وما عوّل عليه ؟ بيّنوا لنا حكم الله تعالى في ذلك كله ، وهل من شرط الهجرة ألا يهاجر أحد إلا إلى دنيا مضمونة يصيبها عاجلا عند وصوله جارية على وفق غرضه ، حيث حل أبدا من نواحي الإسلام ؟ أو ليس ذلك بشرط ، بل تجب عليهم الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام ، إلى حلو أو مر ؟ أو وسع أو ضيق ؟ أو عسر أو يسر ؟ بالنسبة إلى أحوال الدنيا ، وإنما القصد بها سلامة الدين والأهل والولد مثلا ، والخروج من حكم الملة الكافرة إلى حكم الملة المسلمة ، إلى ما شاء الله من حلو أو مر ، أو ضيق عيش أو سعته ، ونحو ذلك من الأحوال الدنيوية ، بيانا شافيا ، مجودا مشروحا كافيا ، يأجركم الله سبحانه ، والسلام الكريم يعتمر مقامكم العلي ورحمة الله تعالى وبركاته.
فأجبته بما هذا نصه :
الحمد لله تعالى وحده والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد بعده
الجواب : الهجرة إلى أرض الإسلام فريضة إلى يوم القيامة
الجواب عما سألتم عنه والله سبحانه ولي التوفيق بفضله : إن الهجرة من أرض الكفر إلى أرض الإسلام فريضة إلى يوم القيامة ، وكذلك الهجرة من أرض الحرام والباطل بظلم أو فتنة ، قال رسول الله : " يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعب الجبال ومواقع القطر ، يفر بدينه من الفتن " أخرجه البخاري والموطأ وأبو داوود والنسائي ، وقد روى أشهب عن مالك : " لا يقيم أحد في موضع يعمل فيه بغير الحق " قال في العارضة : فإن قيل : فإذا لم يوجد بلد إلا كذلك ؟ قلت : يختار المرء أقلها إثما ، مثل أن يكون البلد فيه كفر ، فبلد فيه جور خير منه ، أو بلد فيه عدل وحرام ، فبلد فيه جور وحلال خير منه للمقام ، أو بلد فيه معاص في حقوق الله ، فهو أولى من بلد فيه معاص في مظالم العباد ، وهذا الأنموذج دليل على ما رواه ؛ وقد قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : فلان بالمدينة ، وفلان بمكة ، وفلان باليمن ، وفلان بالعراق وفلان بالشام ، امتلأت الأرض ـــ والله ـــ جورا وظلما " . انتهى كلامه رحمه الله تعالى ، وهو واضح في بيان خطإ ما عليه بعضنا من حرص على أن نكون كالغرب في نوع حياتنا أو مستواها ، فبما أن ما بعد هذه الحياة بيننا وبينهم مختلف فينبغي أن يكون ما قبله مختلف كذلك.

الخلاصة 9
أن الطاعة محرمة في حالة واحدة ، في حال المنع من فريضة من الفرائض ، أما المنع من المباحات فالطاعة فيها واجبة ، سواء رضي الناس به أم لا ، وسواء كان مما يعده الناس من ضرورات المجتمعات الإنساني اليوم أم لا ، والعزل بالقوة محرم إلا في حالة واحدة ، سيأتي الحديث عنها ، وأما ما عداها فمحرم يحمل إثمه من اشترك فيه بأية صورة كما نص عليه العلماء ، وبدلا عنه لهم حق المراجعة حتى يقنع أحد الطرفين الآخر ، كما أن لهم حق الاعتراض عند مخالفة نص شرعي ، وهذا موضع الكلام عليهما مفصلا :

الحق في مراجعة الحاكم
المراد بالحاكم من وصل إلى أعلى منصب في الدولة أيا كان اسمه ، ومن يصله فله حق السمع والطاعة ، وكغيره من المسلمين قد يخطئ فيما يتخذه من قرارات وما يسنه من تشريعات ، وديننا لا يقر مبدأ الاعتراض على كل كبيرة وصغيرة لقراراته ، بل له الحق في الأمر بما يراه صوابا سواء اقتنعنا به أم لا ، وكرهناها أم أحببناها ، ولا يأذن لنا في عزله ، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنها : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ، ما لم يؤمر بمعصية ، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " فالطاعة واجبة على الناس في كل ما يصدره حاكم ذلك البلد ، ما لم يكن محرما شرعا ؛ ويؤكده ما روي عن عوف بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال : " خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ، ويصلون عليكم وتصلون عليهم ، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم " قيل يا رسول الله : أفلا ننابذهم بالسيف ؟ فقال : " لا ما أقاموا فيكم الصلاة ، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يدا من طاعة ".
فقد أوضح أن الناس قد يكره بعضهم أو كلهم ما يقرره من يحكمهم من قرارات ، وما يشرعه من تشريعات ، وأرشدهم إلى الطريق الذي يجب أن يسلكوه ، وهو أن لا ينزعوا يدهم من طاعته ولا يعزلوه من منصبه ، وإن كانوا كارهين لبعض ما أمر به .
فإذا سمعوا وأطاعوا امتثالا لهذا الحديث ، ولما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من كره من أميره شيئا فليصبر ، فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية " فلهم الثواب على صبرهم ، ثم إذا آلت الولاية لغيره ممن لم يكونوا راضين عنه فله أن يغير ذلك التشريع ، فليسوا ملزمين بالإبقاء عيها ، بل لهم أن يغيروها كما تقدم ، أما الاعتراض عليه في كل شاردة وواردة فالدين يمنع منه ؛ والخلاف بينهم وبينه على تسيير دفة الحياة في ذلك القطر ينتهي بانتهاء ولايته بالعجز الصحي أو الموت ، وما أمر به مما يكرهونه لن يسري تلقائيا عليهم بعده إذا لم يكونوا راضين عنه.
وإن سمعوا وعصوا ، فلم يطيعوا إلا فيما يحبون فقط فهم عصاة لله ورسوله ، ولا يغني عنهم أنهم ما أرادوا إلا الحسنى ، فمن شرط النية أن يكون العمل موافقا لتعاليم الإسلام ، وهؤلاء قد خالفوها ، وسيلقون الله فلا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم فيما خالفوا فيه ، جاء في المنهاج للنووي في شرحه : " قوله صلى الله عليه وسلم : " من خلع يدا من طاعة لقي الله تعالى يوم القيامة لا حجة له " : أي لا حجة له في فعله ، ولا عذر له ينفعه " فبهذا يتضح أن كل من يعص الحاكم لو مات على ذلك فلا حجة له يوم القيامة.
والإسلام إذ يعطيهم حق مراجعته فلأنه قد يتبين له خطؤه في قراراته فيغيّر رأيه ، كما وقع من أبي بكر عندما راجعه عمر بن الخطاب رضي الله عنهما في كتابة المصحف ؛ فعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر ، فقال أبو بكر : إن عمر أتاني فقال : إن القتل قد استحَرّ يوم اليمامة بالناس ، وإني أخشى أن يَسْتحِرّ القتل بالقراء في المواطن ، فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه وإني لأرى أن تجمع القرآن ، قال أبو بكر : قلت لعمر : كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال عمر : هو والله خير ، فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري ، ورأيت الذي رأى عمر .... إلى آخر الحديث " رواه البخاري ، إن هذه المحادثات والمراجعات أثمرت عدول الخليفة أبي بكر عن رأيه ، فتحقق ما يريده معارضوه ، وكذلك الحكومات اليوم ينبغي التعامل معها
ولكن هذا التغيير لموقف الحاكم ليس مُطّرِدًا لازما ، فإذا أصر على إنفاذ رأيه فلا يجوز للناس أن يجبروه على تغييره ولو ظنوه خطأ ، فقد يكون صائبا ، كالذي كان في المباحثات والمراجعة في حروب المرتدين ، هذا ما يتفق مع تعاليم الإسلام المنقولة عن الصحابة ، فقد جاء أن أبا بكر الصديق قرر حربهم ورأى بعض الصحابة رضي الله عنهم خلافه ، ولما أصرّ على موقفه لم يتخذ المخالفون له موقف المعارض اللدود ، ولا قرروا عزله لأنه سيدخلهم في حرب هم لها كارهون ، بل قبلوا ذلك الأمر منه ؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر رضي الله عنه وكفر من كفر من العرب فقال عمر رضي الله عنه : كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله ؟ " فقال : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، فإن الزكاة حق المال ، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها ؛ قال عمر رضي الله عنه : فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر رضي الله عنه فعرفت أنه الحق ؛ رواه البخاري.
إن معارضي الخليفة حين لم يفلحوا في إقناعه برأيهم تراجعوا هم عن موقفهم ، ولم يؤلفوا كتلة معارضة تخاصمه في هذا ، بل اتبعوه فيما ذهب إليه ، ولم يحشدوا أنصارهم يجوبون المدينة المنورة طولا وعرضا منددين بقراره ، ولا نظموا مهرجانات خطابية رفضا لقراره ، ولم يفعلوا ما يفعله مراهقو السياسة الغربيون وذيولهم في مشرقنا مما ذكر شيئا ، لقد راجعوه بطريقة وُدّيّة ، وأسفر ذلك عن تراجعهم فتحقق الهدف ، ذلك هو الإسلام ، وأولئك هم المسلمون حقا ، فأين منهم دعاة الحداثة من فقهائنا هواة مداراة الساسة الحمقى ؟.
إن مراجعة الحاكم قد تفضي إلى تغير رأيه أو رأيهم وهذا هدف نبيل ؛ فإذا صارت الولاية لهم فلهم شرعا أن يغيروا تلك التشريعات ، وهذا أيضا يتفق مع تعاليم الإسلام التي نقلتها المصادر ، وذلك ما كان بين الخليفة أبي بكر من جهة ، وبين عمر وعدد من الصحابة من جهة أخرى في طريقة توزيع المال على المسلمين ، فكان أبو بكر لا يرى فرقا بين مسلم وآخر ، في حين أن عمر ومعه عدد من كبار الصحابة يرون التفريق بين من أسلم منذ أن دعاه الرسول ، ومن تأخر إسلامه وحارب الدعوة.
جاء في السنن أنه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء مال من البحرين ، قال أبو بكر : من كان له على رسول الله صلى اله عليه وسلم شيء أو عِدَةٌ فليقم ، فليأخذ ، فقام جابر بن عبد الله رضي الله عنهما فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن جاءني مال من البحرين لأعطينك هكذا وهكذا ثلاث مرات وحثى بيده ، فقال له أبو بكر : قم فخذ بيدك فأخذ فإذا هن خمسمائة ، فقال : عُدّوا له ألفا ، وقسم بين الناس عشرة دراهم ، عشرة دراهم ، وقال : إنما هذه مواعيد وعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ، حتى إذا كان عام مقبل جاء مال أكثر من ذلك المال ، فقسم بين الناس عشرين درهما ، عشرين درهما ، وفضلت منه فضلة ، فقسم للخدم خمسة دراهم ، وقال : إن لكم خدما يخدمونكم ويعالجون لكم ، فرضخنا لهم ، فقالوا : لو فضلت المهاجرين والأنصار لسابقتهم ولمكانهم من رسول الله عليه الصلاة والسلام؟! فقال : أجر أولئك على الله ، إن هذا المعاش الأسوة فيه خير من الأثرة ، فعمل بهذا ولايته حتى إذا كان سنة ( أراه ) ثلاث عشرة ، في جمادي الآخرة ، من ليال بقين منه مات ، فتولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ففتح الفتوح ، وجاءته الأموال ، فقال : إن أبا بكر رضي الله عنه رأى في هذا المال رأيا ، ولي فيه رأي آخر ، لا أجعل من قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم كمن قاتل معه ، ففرض للمهاجرين والأنصار ممن شهد بدرا : خمسة آلاف ، خمسة آلاف ، وفرض لمن كان له إسلام كإسلام أهل بدر ولم يشهد بدرا : أربعة آلاف أربعة آلاف ، وفرض لأزواج النبي عليه الصلاة والسلام اثني عشر ألفا ، اثني عشر ألفا ، إلا صفية وجويرية ، فرض لهما ستة آلاف ، فأبتا أن تقبلا ، فقال لهما : إنما فرضت لهن للهجرة ، فقالتا : إنما فرضت لهن لمكانهن من رسول الله صلى اله عليه وسلم وكان لنا مثله ، فعرف ذلك عمر رضي الله عنه ففرض لهما اثني عشر ألفا ، اثني عشر ألفا ، وفرض للعباس رضي الله عنه اثني عشر ألفا ، وفرض لأسامة بن زيد أربعة آلاف ، وفرض لعبد الله بن عمر ثلاثة آلاف ، فقال : يا أبت لم زدته عليّ ألفا ؟ ما كان لأبيه من الفضل ما لم يكن لأبي ، وما كان له ما لم يكن لي ، فقال إن أبا أسامة كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك ، وكان أسامة أحب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام منك ، وفرض للحسن والحسين رضي الله عنهما خمسة آلاف خمسة آلاف ، ألحقهما بأبيهما ، لمكانهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفرض لأبناء المهاجرين والأنصار ألفين ، ألفين ، فمر به عمر بن أبي سلمة ، فقال : زيدوه ألفا فقال له محمد بن عبد الله بن جحش : ما كان لأبيه ما لم يكن لآبائنا ، وما كان له ما لم يكن لنا ، قال : إني فرضت له بأبيه أبي سلمة ألفين ، وزدته بأمه أم سلمة ألفا ، فإن كانت لك أم مثل أمه زدتك ألفا (!!) وفرض لأهل مكة والناس ثمانمائة ، فجاءه طلحة بن عبيد الله بأخيه عثمان ، ففرض له ثمانمائة ، فمر به النضر بن أنس فقال عمر : افرضوا له في ألفين ، فقال له طلحة : جئتك بمثله ففرضت له ثمانمائة ، وفرضت لهذا ألفين ؟ فقال : إن أبا هذا لقيني يوم أحد فقال لي : ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقلت : ما أراه إلا قد قتل ، فسل سيفه وكسر غمده ، فقال : إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل فإن الله حي لا يموت ، فقاتل حتى قتل ، وهذا يرعى الشاء (الغنم) في مكان كذا وكذا " رواه البيهقي في السنن الكبرى.
بهاتين الطريقتين كان يتم توزيع المال على المسلمين ، بعد أن يخصص الخمس للجهاد في سبيل الله ، ونشر الدعوة الإسلامية ، وتقديم ما يلزم في قطاعات خدمية قليلة ، كتسوية الطرق وأجرة الشّرَط ، والقضاة ، والمحتسبين ، وغير ذلك مما كانت الحاجة تدعو له.
وفيما تقدم من مواقف الصحابة دليل على أن المسلمين يتعين عليهم طاعة من يحكمهم فيما يحبون وفيما يكرهون ، وليس فيما يحبون فقط ، ولهم الحرية فيما شرّعته الحكومة وتراه صالحا للناس ولا يرون فيه ذلك أن يغيروه بعد ترك أعضائها الوزارة ، أما مناوأتها إلى حد إجبارها على تغيير قراراتها وتشريعاته أو إسقاطها بالقوة إذا عجزوا عن ذلك فليس من الإسلام في شيء ، وإن أدى إلى فتنة فويل لمن شارك أو ساهم فيه ، أو دعا له ، أو أفتى به.
وفيه دليل على مراجعة أعضائها إذا اتخذت قرارا يظنون أنها أخطأت فيه ، وعدم إلزامهم بالانقياد المطلق كما يروج علماء السلاطين اليوم ؛ بل لهم حق مراجعتها أكثر من مرة ، من باب النصح ، وقد أخطأت الحركات الإسلامية اليوم حين ترك زعماؤها نصح الحكام ونهيهم عن المنكر ، ونازعوهم في الحكم ليحلوا محلهم ، وهذا عمل محرم بلا شك.
وقد ظهر من فقهائنا من يميلون لما يردده الساسة من آراء ، فصوروا للناس أنه بحكم أن التعليم قد انتشر في أوساطنا فلا معنى للتقيد بحرفية هذه الأدلة وأعطوهم الضوء الأخضر لمخالفتها لكي يواكبوا تقدم البشر !! يجب أن يكون للمواطن دور كبير في توجيه سياسة دولته ، أسوة بغيرهم من شعوب الأرض.
وبهذه الفتوى أضحت تعاليم ديننا الآمرة بالطاعة للحكومات لها المرتبة الثانية ، مخالفين قوله تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ " فصاروا ممن يتبعون أهواءهم ، والله يقول في كتابه : " وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللهِ " هذه الآية تذم من يتبعون أهواءهم المخالفة للإسلام ، ويضربون بعرض الحائط ما يخالفهما من الأدلة الشرعية ولو كانوا من العلماء ، كما يفعل بعض الضالين المضللين منهم اليوم.
إن ما يرددونه يقود إلى نبذ ما جاء عن الرسول ومخالفته ، واتباع خطى المفكرين المعاصرين لكي تكون لنا مكانة دولية ، كأن المكانة الدولية في الحياة الدنيا مما يثقّل ميزان حسنات المؤمنين !! إن الدنيا إلى زوال ، ولن يكون هناك ثواب على ما أحرزه المسلمون فيها.
الدين يريد من المسلم أن يهتم بالآخرة أكثر من اهتمامه بالدنيا ، قال الله تعالى : " وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا " وإذا على كل عاقل أن لا ينسى نصيبه من الدنيا ، فإن الأهم منها هو نصيبه في الدار الآخرة ، فلو خيّر بين ما فيه منفعة في الآخرة وما فيه منفعة في الدنيا فالواجب عليه اختيار الأول ، وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما : أن من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم : " ولا تجعل الدنيا أكبر همي " وواقع بعض المسلمين أن الدنيا همهم الوحيد وليس الأكبر.
ولا يفوت التنبيه إلى أن هذا الحماس من بعض علمائنا والحرص على مسابقة الأمم الأخرى قد تنبأ به الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقد روى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لتتبعن سنن من قبلكم ، شبرا بشبر ، وذراعا بذراع ، حتى لو سلكوا جُحْرَ ضَبّ لسلكتموه " قلنا : يا رسول الله اليهود والنصارى ؟ قال : " فمن " ؟ وهو من علامات الساعة ، فقد روى البخاري كذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها ، شبرا بشبر ، وذراعا بذراع " فقيل : يا رسول الله كفارس والروم ؟ فقال : " وَمَن الناس إلا أولئك " ؟ فعلماؤنا هؤلاء يصرون على ما ذمه الرسول عليه الصلاة والسلام ، ألا وهو: دخول جحر الضب.
الخلاصة 10
أن الحاكم ( ممثلا في السلطتين التشريعية والتنفيذية ) حين يأمر بما هو واجب أو سنة شرعا فيجب على الناس السمع والطاعة ، ومثله الأمر بمباح ، سواء رضي الناس عنه أو لم يرضوا ، إن الواجب عليهم تنفيذ أمره ذلك وإن كانوا كارهين ، لأن الطاعة واجبة فيما يحبون وفيما يكرهون ، سواء رأوا أنه صوابا وأحبوه ، أو رأوا أنه خطأ وكرهوه ، مع إعطائهم حق مراجعته في قراراته مرة بعد أخرى ، ولهم أن يجتهدوا في بيان صحة وجهة نظرهم ، فإن غيّر رأيه فبها وإلا فعليهم الطاعة ، أما العزل والإسقاط بالسلم أو بالحرب فمعصية لله ورسوله.

الاعتراض على الحكام
الاعتراض على الحاكم والحكومة مباح فيما إذا أمرت بشيء محرم ، فيذكر لها العلماء أوّلا أنها خالفت تعاليم الإسلام ويذكرون الأدلة ، فإن لم تلتفت لذلك فلهم الاعتراض عليها ، ودليله ما كان بين عُبَادة بن الصامت رضي الله عنه ومعاوية ، قال ابن حجر في الإصابة : " ولعُبَادة قصص متعددة مع معاوية وإنكاره عليه أشياء ، وفي بعضها رجوع معاوية له ، وفي بعضها شكواه إلى عثمان منه ، تدل على قوته في دين الله ، وقيامه في الأمر بالمعروف "هذا ما يجوز للعالم أن يعامل به الحاكم الظالم ، أما الإسقاط بالعمل المسلح فلا.
ويوضحه ما روي عنه أنه غزا مع معاوية أرض الروم ، فنظر إلى الناس وهم يتبايعون كِسَرَ الذهب بالدنانير ، وكِسَرَ الفضة بالدراهم ، فقال : يا أيها الناس إنكم تأكلون الربا ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا تبتاعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ، لا زيادة بينهما ، ولا نظِرَة " فقال له معاوية : يا أبا الوليد : لا أرى الربا في هذا إلا ما كان من نَظِرة ، فقال عبادة : أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدثني عن رأيك ؟ لئن أخرجني الله ، لا أساكنك بأرض لك علىّ فيها إمْرَة ، فلما قفل لحق بالمدينة ، فقال له عمر بن الخطاب : ما أقدمك يا أبا الوليد ؟ فقص عليه القصة ، وما قال من مساكنته ، فقال : ارجع يا أبا الوليد إلى أرضك ، فقبّح الله أرضا لست فيها وأمثالك ، وكتب إلى معاوية : لا إمرة لك عليه ، واحمل الناس على ما قال ، فإنه هو الأمر ؛ رواه ابن ماجه في مناقب عبادة ، فهذا معاوية يغير رأيه حين يرى أن ما يقوله عبادة أقرب للصواب ، ولا يتنكب الطريق ، وأحيانا يتمسك برأيه ولا يلتفت لرأي عبادة ، وعبادة يسمع ويطيع.
ونحوه روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه فقد روي : أن معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من وَرِقٍ أو ذهب بأكثر من وزنها ، فقال له أبو الدرداء : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذا إلا مثلا بمثل ، قال له معاوية : ما نرى به بأسا ، فقال له أبو الدرداء : من يعذرني من معاوية ؟! أخبره عن رسول الله عليه الصلاة والسلام ويخبرني عن رأيه ، لا أساكنك بأرض أنت بها ، قال : فقدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأخبره ، فكتب إلى معاوية : أنْ لا يبيع ذلك إلا مثلا بمثل ، أو وزنا بوزن ؛ رواه مالك في الموطإ في باب بيع الذهب بالفضة تبرا وعينا ، فهذا أبو الدرداء يذكر الدليل ، ولا ينادي بخلع معاوية.
فإن قيل : إن طبيعة بعض حكام اليوم عدم القبول بمناقشة آرائهم ، وهناك من أشار عليهم فلم يلتفتوا لرأيه ، والتعامل بعهم بهذا الأسلوب غير مُجْدٍ ، فالجواب أولا : أنهم مستشارون متطفلون نَصّبُوا أنفسهم بأنفسهم ، ولم يقبل الحاكم ما أشاروا به ، وهذا من حقهم ؛ ثانيا : إن الظلم والجور والطغيان إذا مارسته بعض الحكومات اليوم لا يصدر عن الملك أو الرئيس ، بل السلطة التشريعية التي اختاروها ، وعلى العلماء وغيرهم التوجه بالخطاب للبرلمانيين كي يقرروا ويشرعوا ما يكفل للناس العدل بينهم أو يطلبون عدم تمكينهم من إنهاء دورتهم ، وكل هذا جائز ، وإن كان الرئيس أو الملك هو قد تبين أنه وراء تلك القرارات ، فالواجب الصبر ، أو الهجرة ، أو مراجعته من قبل من يؤثرون عليه فلعله أن يتراجع ، أو اغتياله في حال تحققوا أنه مصدر الظلم الشديد .
ثالثا : أن الله حين يأمر عباده بأمر فالواجب تنفيذ أمره دون التفكير في جدواه وعدمها ، فالقضاء والقدر فوق الجميع ، واقرأ قول الله تعالى في سورة النازعات : " هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى (25) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (26) "هذا ما يجب على المسلم فقط ، تنفيذ أمر الله لا غير ؛ لقد قال الله لموسى : اذهب إلى فرعون ... فقل ..... وسيدنا موسى أدى هذا الأمر ، ولما لم يستجب فرعون لداعي الهدى دارت عليه الدوائر ، ولو قال موسى في نفسه : إن فرعون لا يجدي معه هذا الأسلوب ، ولم يذهب كما أمره الله لأخذه الله هو قبل فرعون ، عليه تنفيذ الأمر وعدم استباق الأحداث ، ولا علاقة له بالجدوى وعدمها ، ففي عدم القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وبالنصح للأئمة لهذا السبب رفض للأمر ورَدّ له على الآمر سبحانه.
هكذا تعامل السلف مع فريضة الأمر بالمعروف النهي عن المنكر والنصح للأئمة ، لا ينازعون في الحكم ، ولا يتطلعون للمنصب ، ولا يسعون له ولو بهدف تطبيق تعاليم الإسلام حسب فهمهم ، ولا يتدخلون في طرق إدارة البلدان بل ينصحون ، فإن لم يرضوا عن طريقتها غادروا الإقليم الذي يقيمون فيه ولم يفكروا في إسقاط الحكومة ، هذا هو الدين ، وهكذا التدين.
ولنتنبه إلى أنه ليس من الدين الاعتراض على الحكومات في الأمور الظنية ، وهذا منزلق وقع فيه بعض المنتسبين للأحزاب الإسلامية ، والعاملين في مجال الخطابة والدعوة ، وكان بعض منهم في ليبيا ، فكانوا يعترضون على الحكومة فيما لا يجب الاعتراض فيه ، وكان بطريقة مخالفة للتي حددتها الشريعة ، فألقت السلطات القبض عليهم ولبثوا في السجن بضع سنين ، ومنهم من مات وظنه الناس شهيدا ، وما هو بشهيد ، إنما هو جَانِ على نفسه ، فالمسائل الظنية لا يجوز التمسك بالرأي الشخصي فيها ، فربما كان هناك دليل آخر لم يطلع عليه هذا العالم ، واطلع عليه من أشار على الحكومة بتشريع ظنه هذه العالم خطأ ، وما هو بخطإ.
وتدل الحادثتان المتقدمتان على أن مخالفة الحاكم دليلا شرعيا لا تبيح عزله ، فعبادة وأبو الدرداء لما لم يفلحا في إقناع معاوية قررا مغادرة الشام ، ولم يوجها نداء للمسلمين للإطاحة به ، وعمر بن الخطاب لم يعزل معاوية بسببه ، فالحكام وعمالهم ( مندوبوهم في المناطق البعيدة ) كلهم بشر ، يقع منهم الخطأ ، وعلاجه بذكر الدليل فقط لا غير ، ولهم الأمر فيما يرونه مناسبا للأمة ، أما إجبارهم على التنحي لأنهم خالفوا هذا الدليل فلا يجوز ، ويتأكد الإثم مع احتمال وقوع اضطرابات
وفتنة بينهم.

الخلاصة 11
أن مراجعة الحكومة جائزة إذا أمرت بما يراه البعض خطأ شرعا ، فإذا تكرر منها وتمت مراجعتها ، وتمسكت بموقفها فلا تعزل بسبب ذلك ، لأن الحساب يوم الحساب ، فإذا صار الأمر لمخالفيها فلهم التغيير.
وأن الاعتراض جائز كذلك ، إلا أنه مباح إذا خالف دليلا شرعيا فقط ، وعليه : فلا يكون في الأمور الظنية ، بل في القطعية التي خالفت فيها الدليل ، ومن اعترضوا عليها فيها فقد أدوا ما هو واجب عليهم ، فإن أخفقوا فليهاجروا من ذلك القطر أو يتخذوا أية طريقة يرونها مناسبة لإلزامها بالعمل بالدليل ، أما إسقاطها بقوة السلاح فلا ، وإشهار السلاح للعزل محرم في كل حال ، لما يترتب عليه من إراقة الدماء والقطيعة ، إلا في الردة الصريحة أو الترخيص للمحرمات كما سيأتي.
العمل السلمي لعزل الحاكم والإطاحة بالحكومة
المراد بالحاكم هنا : من هو في أعلى هرم السلطة ، وليس الوزراء أو رئيسهم ، بل من هو أعلى منهم ، فإذا تبين هذا فإن الحاكم تحرم طاعته فيما يأمر به الناس مما حرمه الله سبحانه وفيما ينهى عنه من الفرائض ، وقد التبس الأمر عند البعض ، ففهموا من عدم وجوب طاعته فيها جواز عزله ، ولا علاقة بينهما ، فالمحرم هو طاعته في ذلك الأمر لا في كل أوامره ، فعدم طاعته في كل أوامره من باب نزع اليد من الطاعة ، وهو لا يباح إلا إذا اشتد ظلمه ، ووفقا لضوابط معينة .
إن الحاكم يجب أن يكون مسلما ، قال الله تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ " فقوله : ( منكم ) يدل على أن حاكمنا لا يكون إلا منا نحن المسلمين ، ونحن منا المطيع ومنا العاصي ، ومنا البر ومنا الفاجر ، كما أن منا العدل ومنا الفاسق والجائر ، والحاكم سيكون من هؤلاء ، ومن الخطإ أن نتصور أن من يحكمنا ينبغي أن لا يجور وأن لا يعصي فهو بشر مثلنا ، نحن نخطئ وهم يخطئون ، وحلم البعض منا بأن الحاكم ينبغي أن يكون مثل عمر بن الخطاب وإلا أسقطناه موغل في البعد ، فذلك الحاكم لا يستقيم له أمر ولا نهي إلا مع مثل عثمان بن عفان ، وعلي بن أبي طالب ، وابن عباس ، وأنس بن مالك ، وابن مسعود ، وغيرهم رضي الله عنهم جميعا ، ومع غياب أولائك الفضلاء لا يتصور وجود مثل الفاروق .
والذي يراه جمهور العلماء أن الأولى أن يكون الحاكم في بلادنا من عُدُولنا ، حين يختاره أهل الحل والعقد ، وهنا يرد سؤال عما لو أنه كان عدلا ، وبعد اختياره انسلخ من العدالة ، إما بالفسق وإما بالظلم ، فهل لهم أن يلغوا بيعتهم ويعزلوه ويختارون بديلا عنه أم لا ؟ من العلماء من يرى عزله من قبل الذين اختاروه ، أو مَن حلَ محلهم لو ماتوا أو كانت حالة بعضهم لا تسمح لهم ببيعته ثانية لمرض أو غيره ، بشرط أن لا يفضي ذلك إلى فتن وإراقة دماء ، فهم قد اختاروه ولهم أن يعزلوه ؛ ومنهم من لا يرى ذلك إلا إذا اشتد ظلمه وجوره ، شرط الأمن من الفتنة والظلم ، فإن ظنوا وقوع شيء من ذلك فلا يجوز عزله .

بواعث العزل والإسقاط
هناك أمور ثلاثة تبعث على عزل الحاكم وإسقاط الحكومة أولها : كثرة الظلم ، وثانيها : فقدان صفات العدالة ، وثالثها : منعهم من حقوقهم في بيت المال ؛ وللعزل صورتان : سلمية ومسلحة ، فأما السلمية فمأذون فيها في الفسق والجور ، شرط أن لا يترتب عليه فتنة وظلم ، وأما المسلحة فمأذون فيها في حالة واحدة فقط هي الكفر الصريح ، والفرق بين الاعتراض على الحاكم وبين عزله سلميا : أن الاعتراض قد يكون من فرد واحد أو عدد قليل ، وسببه مخالفة الحاكم نصا شرعيا ؛ أما العزل السلمي فيبدأ بأعداد قليلة ثم يزدادون ، ويتذرع أصحابه بإصلاح الفساد ، وحقيقة أمرهم رغبتهم في تنحيته ليحلوا محله ، فمتى يباح هذا ؟ أما الفرق بين مخالفة الحاكم في أمره ونهيه الذي حرمه الدين ، وبين مراجعته التي أباحها ، أن المخالفة فيها رد على الحاكم أمره ونهيه ، أما المراجعة ففيها قبول أمره ، مع محاولة إقناعه بتغييره ، دون ممارسة ضغوط عليه لإجباره على التغيير أو الاعتزال .

الباعث الأول : كثرة ظلمه
تقدم أن من أسباب عزله سلميا كثرة ظلمه ، وهذا قد يكون في صورة قرارات يرون فيها ظلما لهم ، ومنه غصب أموالهم الخاصة كالاستيلاء على تركة الميت ، وهو أمر ظهر في عهد سيف الدولة الحمداني ، قال في كتاب زبدة الحلب في تاريخ حلب : " وكان القاضي بها أحمد بن محمد بن ماثل ، فعزله وولىّ أبا حصين ، علِيَ بن عبد الملك بن بدر بن الهيثم الرقي ، وكان ظالماً ، فكان إذا مات إنسان أخذ تركته لسيف الدولة ونادى : " كل من هلكْ ، فلسيف الدولة ما تركْ ، وعلى أبي حصين الدركْ " وقد يكون بصور أخرى ، وكلها لا تبيح عزله بالقوة.
والإسلام يعطي المسلمين الحق في فعل أي من الثلاثة الأشياء الآتية إذا تسلط عليهم حاكم ظالم يغصب أموالهم ويضيفها لممتلكاته هو ، أولها : عزله سلميا دون إراقة دماء وتفتيت اللحمة الوطنية وتفكيك الروابط الاجتماعية ، ثانيها : مطالبته بوقف هذا السلوك ، ثالثها : الصبر على ما يقع منه من ظلم وغصب ؛ وهذا مجمع عليه ، فقد جاء في فتح الباري : " ونقل ابن التين عن الداودي قال : الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم ، وجب ، وإلا فالواجب الصبر " وقد تقدم.
إن المحافظة على دماء المسلمين وعدم تفتيت لحمتهم الوطنية أهم عند الله مما قد يجنونه من إيجابيات أي عمل يعود عليهم بأي نفع دنيوي ، إذا أسفر عن إراقة الدماء وتفتيت اللحمة ، فحرمة دم المسلم أعظم عند الله من حرمة الكعبة المشرفة ، لقد روى الطبراني في المعجم الكبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة فقال : " لا إله إلا الله !! ما أطيبك وأطيب ريحك ، وأعظم حرمتك ، والمؤمن أعظم حرمة منك ، إِن الله عز وجل جعلك حراما ، وحرم من المؤمن ماله ، ودمه ، وعرضه ، وأن نظن به ظنا سيئا " وروى أحمد عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دب إليكم داء الأمم قبلكم : الحسد ، والبغضاء ، والبغضاء هي : الحالقة ، حالقة الدين ، لا حالقة الشعر " إن فوائد أي عمل دنيوي ( مهما كثرت ) هي كارثة على كل من ساهم فيها إذا ترتبت عليها إراقة دماء وقطيعة بينهم.
فكل من اشترك فيها أو أعان عليها فقد يكون خالدا مخلدا في النار يوم القيامة ، ومن لم يرق الدماء ، ولكن نتج عن مشاركته ومساهمته حدوث قطيعة بين المسلمين فقد حَلقَ حسناته كما يحلق الحلاق شعر الإنسان ولم يبقي منه شيئا.
وتنفيذ أوامره المخالفة لتعاليم الإسلام حرام ، ولهم تنبيهه لأخطائه أو الاعتراض عليها ، أما عزله بالقوة فمرفوض شرعا ، جاء في حاشية ابن عابدين : " فإذا صار إمامًا فجَارَ ، لا ينعزل إن كان له قهر وغلبة ، لعوده بالقهر ، فلا يفيد " هذا هو الحق ، إن عزله بالقوة مهما كان ظلمه شديدا سيجعله يرد بالقوة ، وذلك يفضي تلقائيا لتصادم قوى الفريقين ، ما يسفر عن إراقة الدماء ، وهذا محرم ، وما أدى إليه فهو محرم ، وسواء كانت النهاية انعزاله أو بقاؤه ، فالتحرك لإسقاطه لهذه الأسباب محرم ، وكل من ساهم فيه آثم.
وأضاف بعض العلماء شرطين آخرين علاوة على شرط السلامة من الفتنة والظلم ، أولهما : أن يتيقنوا أن من يخلفه سيلغي القوانين المخالفة الشريعة ، مع قدرته على ذلك ، والثاني : أن لا يشترك عامة الناس في عزله ، فقال الجويني في غياث الأمم : " المتصدي للإمامة إذا عظمت جنايته ، وكثرت عاديته ، وفشي احتكامه واهتضامه ، وبدت فضاحته ، وتتابعت عثراته ، وخيف بسببه ضياعُ البيضة ، وتبدُّدُ دعائم الإسلام ، ولم نجد من نَصْبه للإمامة حتى ينتهض لدفعه حسب ما يدفع البغاة فلا نطلق للآحاد في أطراف البلاد أن يثوروا ، فإنهم لو فعلوا ذلك لاصْطُلِموا وأُبيدوا ، وكان ذلك سببا في ازدياد المحن ، وإثارة الفتن ، ولكن إن اتفق رجل مطاع ذو أتباعٍ وأشياع ، ويقوم محتسباً آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر ، وانتصب لكفاية المسلمين ما دُفعوا إليه ، فليمض في ذلك قُدُماً ، والله نصيره ، على الشرط المقدم في رعاية المصالح ، والنظر في المناجح ، وموازنة ما يندفع ويرتفع بما يتوقع " تنبّهْ لقوله : ( فلا نطلق للآحاد في أطراف البلاد أن يثوروا ) إنه صريح في عدم تمكين العامة من عزله ، أليس حقا أن إشراكهم في العزل يؤدي إلى فتن ومظالم ؟ !! إنهم حين يشتركون في ذلك سيطلبون أسلحة لمواجهة قواته ، ومدهم بالأسلحة عند حاجتهم لها سهل ، ونزعها منهم حين يكون البلد في حاجة لذلك أمر في غاية الصعوبة ، وشواهده كثيرة في الصومال والعراق وليبيا وغيرها .
فتحصّل مما تقدم أن الحاكم الظالم ظلما شديدا ، للناس معه أحد خيارات ثلاثة : الخيار الأول : عزله من منصبه بشروط ثلاثة ، الشرط الأول : ذكر ابن حجر أنه مجمع عليه وهو الأمن من الفتنة والقطيعة ، والثاني والثالث ذكرهما الجويني ، أولهما : التأكد من أن من سيحل محله سيلتزم بتعاليم الإسلام ، وثانيهما عدم إشراك العامة في عزله ؛ والخيار الثاني : مطالبته بوقف الظلم ؛ والخيار الثالث : الصبر على ظلمه ، وبقي خيار أخير لم يذكره أحد ، وهو الهجرة وترك الوطن ، وإنما لم يذكره العلماء لأن الحاكم العام للمسلمين في عصورهم كان واحدا ، فمن يريد الهجرة لن يجد أمامه إلا الإقامة بين الكافرين ، وهذا مخالف لتعاليم ديننا .
ومن يشتركون في عزله وهم يظنون سفكت الدماء ، فإنهم يحملون وزر من يلقون مصرعهم ممن يقاتلون في صفه ، بأية صفة كانوا ، وكذلك من غيرهم من عامة الناس ، ففي شرح الحطاب عن ابن محرز أنه قال في التبصرة : " من شارك في عزل إنسان وتولية غيره ولم يأمن سفك دم مسلم فقد شارك في سفك دمه إن سفك " والبعض ينحو باللوم على الحاكم في هذا ويحمله هو المسئولية ، وهو غلط من قائله ، فالعزل محرم ، وكل من يشترك في أي محرم فهو عاص ، واللوم يلقى عليه هو لأنه خالف النهي حين نزع يده من الطاعة ونازع الحاكم في الحكم ، والحاكم له الرد بما يراه مناسبا ، وهو واجب عليه ، فلو منع من الرد عليهم لن يستقر قرار في بلد من البلدان ، وسيخرج في أي وقت عدد من الناس لعزل هذا الحاكم أو ذاك ، فتدخل الأقطار في فوضى لا نهاية لها ومستقبل مجهول ، لذلك لا بد من حسم هذا الأمر بوضع حد لهذه الأعمال ، سواء انتهى الأمر بانتصاره أو انتصارهم ، في جميع الأحوال قتاله لهم امتثال لأمر من صاحب الشرع ، وقتالهم له مخالفة لنهي من صاحب الشرع ، فليتنبه لهذا كل مكلف .

الخلاصة 12
أن الحاكم ( والمراد هنا الرئيس أو الملك ، وليس رئيس وأعضاء الحكومة ) الجائر يباح عزله بشروط أربعة أولها : أن يعظم جوره ويكثر ظلمه ، فإن لم يكثر فلا ؛ والثاني : أن يعلموا بأن عزله لن ينجم عنه إراقة دماء وفتنة بين المسلمين ، فإن علموا أنه لا يتأتى إلا بما ذكر فعزله حرام ، والواجب إما مطالبته بوقف ظلمه ، أو الصبر ، وثالثها : أن لا يتدخل العامة في عزله بأي شكل من الأشكال ؛ ورابعها : أن يكون المتولي بعده سيطبق أحكام الشريعة التي خالفها المعزول ، فإن التبس الأمر على الناس ولم يعلموا باتجاه القادم فإن الاشتراك مع من هو مجهول الحال في المستقبل حرام ، ولا يكفيهم أن يقولوا : فلنتخلص من هذا أوّلاً ، وسنتدبر أمرنا لاحقا ؛ فمن غامر وعزله بالقوة دون مراعاة ما تقدم ، فكل من مات أو تضرر في جسمه أو ماله أو عرضه من غيرهم من العسكريين والمدنيين ممن يواجهونهم أو من غيرهم سيقتصّ الله لهم منهم يوم الدين ، وما فعلوه حرام لا ريب فيه .
ولا بد من التذكير هنا أن الكثير من السياسيين المسلمين والفقهاء المولعين بهؤلاء الساسة قد وقعوا في خطإ كبير ، فهم يؤكدون على أن الواجب على الحاكم أن يعدل بين الناس ، فإن لم يعدل فلهم عزله بالسلم أو بالحرب ؛ وهذا خطأ ، فلا يوجد دليل عليه ، ويجب عليهم مراجعة آرائهم التي أفضت إلى هذه الكوارث .

الباعث الثاني : كثرة فسقه وعصيانه
ومن بواعث عزله : أن يفقد صفات العدالة في سلوكه الشخصي ، بأن يكون ممن يرتكبون المحرمات التي بين العبد وربه ، وقد تقدم رأي العلماء في اختيار الفاسق حاكما لهم ، فإذا اختاروا من تتوفر فيه الصفات ثم كانت منه انحرافات في بعضها ، فالحكم يختلف بين قلة وقوعه منه ، وبين كثرته ؛ كما أنه يختلف بين من يتيسّر لهم معرفة حاله وبين غيرهم ، فمن يتيسر عليهم تجب عليهم ثلاثة أمور ، أولها : كراهة تلك الأعمال من الحاكم ، فلا يقتدون به فيها ، والثاني : نهيه عن عمله ذلك إن علموا أنه لا يضرهم لقوة علاقتهم به أو لقوة نفوذهم في البلد ، والثالث : البقاء على السمع والطاعة ؛ وأما من عداهم من الناس فلا علاقة لهم بالأمر ، لأن الرسول ربط الحكم المذكور برؤية المسلم للحاكم يفعل المعصية ، لما جاء في حديث عوف بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ، ولا ينزعن يدا من طاعة " فقوله : " فرآه " صريح فيه ، وعبر العلماء عن حرمة عزله للفسق والظلم بعدة ألفاظ ، ففي شرح حديث : " وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه " من العمدة ما يلي : " وفيه دليل على أن السلطان لا ينعزل بالفسق والظلم ، ولا تجوز منازعته في السلطنة بذلك " وهذا مجمع عليه ، فقد جاء في المنهاج : " وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق " .
وهذا ما لم يكثر فسقه ، فإن كثر وصار عادة له فهنا ينظر المسلمون هل يمكن التخلص منه دون دماء وفتنة أوْ لا ، إن أمنوا ذلك فعزله واجب ، وإن لم يأمنوه فلا يجوز لهم اتفاقا ، جاء في الإكمال : " لا يجوز الخروج على الإمام العدل باتفاق ، فإذا فسَق وَجَارَ ، فإن كان فسقه كفراً وجب خلعه ، وإن كان ما سواه من المعاصي فمذهب أهل السنة أنه لا يخلع ، واحتجوا بظاهر الأحاديث وهى كثيرة ؛ ولأنه قد يؤدى خلعه إلى إراقة الدماء وكشف الحريم فيكون الضرر بذلك أشد من الضرر به " ثم قال بعده : " فإذا طرأ مثل هذا على وال من كفر ، أو تغير شرع ، أو تأويل بدعة ، خرج عن حكم الولاية ، وسقطت طاعته ، ووجب على الناس القيام عليه وخلعه ونصب إمام عدل أو والي مكانه إن أمكنهم ذلك وإن لم يتفق ذلك إلا مع طائفة وفتنة وحرب ، فيجب القيام بذلك على الكافر ولا يجب على المبتدع ، إذا لم يتخيلوا القدرة عليه ، ويجب في المبتدع إذا تخيلوا القدرة عليه ، فإن تحققوا العجز عنه فلا يجب القيام ، وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفر بدينه " وقد ترك البلدان العربية بعض الناس ولا يصدق عليهم أنهم مهاجرون ، لأنهم لم يخرجوا غضبا لله ورسوله ، بل غضبا من حكومة اتخذت من القرارات ما لا يعجبهم ، وكان الواجب عليهم طاعتها في ذلك كما تقدم .
وكلام القاضي عياض هذا عن حاكم لم يكفر ، ولم يغير في الشرع ، ولم يبتدع ، فلو كفر كفرا صريحا ، أو غير في الشرع ، أو ابتدع وجب على العلماء أولا : أن يبينوا ذلك للناس ، ثانيا : أن يدعو لإسقاطه قبل الخروج بفترة كافية لإقناعهم برأيهم ، فلا يصطدمون ببعضهم ، وينطلقون من منطلق واحد .
وطروء الفسق المكفر أو الكفر المذكور في الإكمال يكون بإعلانه أنه ترك الدين الإسلامي واعتنق دينا آخر وانضمامه إلى أتباع إحدى الديانات الأخرى ؛ وتغيير الشرع لا يكون إلا بتبديل الأحكام الشرعية المنصوص عليها في القرآن أو صحيح الحديث بغيرها ، كضم أموال الموتى من المسلمين لأمواله الخاصة ، كما تقدم عن سيف الدولة ، وكالتسوية بين الذكور والإناث في الإرث ، وقد فعله بعض حكام العصر ، وسيأتي ، وليس منه اتخاذ قرارات لتسيير المجتمع في الشأن السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي لا يتقبلها الناس ، وقد تقدم قول العلماء بفسخ عقد إيجار المحال التجارية إذا منع الحاكم من ممارسة التجارة بهذه الصورة أو تلك ، ونهي عمر بن الخطاب عن نكاح المتعة ، فعمله ذلك ليس من تغيير الشرع ، بل من قبيل تدبير ما فيه مصلحة للمسلمين في الشأن الاجتماعي ، ومن هذا القبيل منعه من نكاح الكتابيات الذي أباحه الدين ، ومنع منه عمر ، خوفا على بنات المسلمين من العنوسة بعزوف الرجال عنهن وتفضيل نكاح الكتابيات على نكاحهن ؛ ومنه أيضا وقفه لسهم المؤلفة قلوبهم في مصارف الزكاة المنصوص عليه في القرآن ، فليس هو كذلك تغيير للشرع ، بل من صميم عمله في تدبير الشأن الاقتصادي ، فالسلمون كانوا ذات يوم في حاجة للمؤلفة قلوبهم ، ولما قوي الإسلام لم يعودوا في حاجة لهؤلاء ، فأوقفه ، ولو عادت الحاجة لهم عاد لهم نصيبهم .... وهكذا كل عمل تأمر به الحكومة مما لا يقبله الناس لا يعتبر تغييرا للشرع إلا ما كان مخالفا لدليل صحيح صريح ، وما عداه فلا ، سواء قبل الناس تبرير الحكومة أم لا .
وأوضح العلامة محمد رشيد رضا في كتاب الخلافة حكم ولي الأمر إذا فسق فقال : " اختلف العلماء في مدي اعتبار الفسق من الأسباب التي توجب عزل الإمام والخروج عليه على مذهبين ، الأول : أن الفسق يوجب عزل الأئمة ، ويفرض الخروج عليهم ، وهو مذهب الخوارج ، والمعتزلة ، والزيدية ، وبعض أهل السنة ؛ الثاني : أن الفسق لا يمنع استدامة الإمامة ، ولا يجوز الخروج على الأئمة بالفسق ، لما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء ، وهو إجماع أهل السنة " ونسب لابن تيمية قوله : " ولهذا كان مذهب أهل الحديث ترك الخروج بالقتال على الملوك البغاة ، والصبر على ظلمهم إلى أن يستريح بر ، أو يستراح من فاجر " .
وعن بيان أن مراعاة الأمن من الفتنة أمر واجب قال : " ويلاحظ أن من هذا الفريق من أجاز العزل إلا لفتنة ، أي إذا لم تكن المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه ، ومنهم من أطلق القول بالمنع ولم يشر إلى هذه الموازنة ، فكأنه اعتبر أن مفسدة العزل أرْبَي ( أعظم ) دائمًا من مفسدة الصبر ، قال القاضي عياض فيما نقله عنه النووي رحمه الله : ولا تنعقد لفاسق ابتداء فلو طرأ على الخليفة الفسق ، قال بعضهم يجب خلعه إلا أن تترتب عليه فتنة وحرب ، وقال جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين : لا ينعزل بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق ، ولا يخلع ، ولا يجوز الخروج عليه بذلك ، بل يجب وعظه وتخويفه ، للأحاديث الواردة في ذلك " .
فانظر كيف ربط هؤلاء الأعلام بين القول بإباحة العزل وبين الأمن مما ذكر ؛ وما يحدثه حاكم أي بلاد في أي مجال من مجالات الحياة المختلفة من غير المألوف في المجتمع فليس ردة ، ولا تغييرا لشرع الله سبحانه ، ولا بدعة توجب على الناس خلعه ، ولا يشمله هذا الكلام ، بل ما يحدثه فيما ذكر هو من صميم عمله كولي أمر وحاكم مسلم .
وإزاء هذه الأمور الواجبة من نهيه ووعظه والصبر عليه ، فهناك أمر محرم بالإجماع ، وهو الخروج عليه وعزله لهذه الأسباب ، إذا علموا أنه سيسفر عن اقتتالهم ، هذا ما صرح به العلماء ، ففي شرح ابن بطال : " وأما دون ذلك ( أي الكفر الصريح ) من الجور فلا يجوز الخروج عليهم إذا استوطأ أمرهم وأمر الناس معهم ؛ لأن في ترك الخروج عليهم تحصين الفروج ، والأموال ، وحقن الدماء ، وفى القيام عليهم تفرق الكلمة وتشتت الألفة " وجاء في المنهاج عند شرح حديث عبادة الذي فيه : وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا ، قال : " ومعنى الحديث : لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام ، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وقولوا بالحق حيثما كنتم ، وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين " .
ويلاحظ على بعض العلماء ومعظم المثقفين أنهم يضيقون ذرعا بالحديث عن إجماع العلماء ، فالعلماء مهما كثر عددهم لا يعتبر رأيهم ملزما للمسلمين اليوم ، ومن حق المسلم أن يسأل هؤلاء ( الأفذاذ !! ) عندما تخالفونهم هل ستتبعون دليلا شرعيا أم ستتبعون أهواءكم وآراءكم الشخصية ؟ المعروف أنه لن يوجد دليل تتبعونه حين تخالفون الإجماع ، فلو كان هناك دليل لما كان ثمة إجماع ، وإن كنتم ستتبعون أهواءكم فالله حسبكم حين تبيحون اقتتال أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، من أجل توافه الدنيا مهما كان مهمة في نظركم .
كما أنه تجدر الإشارة إلى خطإ علمي وقع فيه بعض العلماء ، حيث استدل بكلام القاضي عياض المتقدم للدعوة للخروج على القذافي والأسد وغيرهما ، وهو خطأ واضح ، فرأيه هذا إنما يجوز الأخذ به حين يعلمون أن العزل لن يفضي إلى سفك دماء ووقوع فتنة ، لما تقدم في قوله : " ولأنه قد يؤدي خلعه إلى إراقة الدماء ، وكشف الحريم ، فيكون الضرر بذلك أشد من الضرر به " وتقدم نحوه عن ابن حجر ، أما مع ظن الفتنة فحرام قولا واحدا .
وبما أن المعاصي نوعان كفر وغير كفر ، فقد يرد سؤال عن المنازعة المأذون فيها في المعصية غير الكفرية ، والمأذون فيها في المعصية الكفرية ، وهذا يوضحه ما جاء في فتح الباري وهو : " والذي يظهر : حمل رواية الكفر على ما إذا كانت المنازعة في الولاية ، فلا ينازعه بما يقدح في الولاية إلا إذا ارتكب الكفر ، وحمل رواية المعصية على ما إذا كانت المنازعة فيما عدا الولاية ، فإذا لم يقدح في الولاية نازعه في المعصية بأن ينكر عليه برفق ، ويتوصل إلى تثبيت الحق له بغير عنف ، ومحل ذلك إذا كان قادرا " فأوضح جواز منازعة الحاكم في المعصية إذا لم تكن كفرا ، لا عزله من منصبه بالقوة ؛ وإن كانت معصيته كفرا بواحا فإنه يجوز لهم أن ينازعوه في منصبه ، وأن يعزلوه ولو أدى إلى الاقتتال والقطيعة ، هكذا أمر الشارع ، وعلينا السمع والطاعة .
وعن هذا جاء في الاستذكار : " وأما جماعة أهل السنة وأئمتهم فقالوا : هذا هو الاختيار أن يكون الإمام فاضلا ، عالما ، عدلا ، محسنا ، قويا على القيام كما يلزمه في الإمامة ، فإن لم يكن فالصبر على طاعة الإمام الجائر أولى من الخروج عليه ، لأن في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن بالخوف ، وإراقة الدماء ، وانطلاق أيدي الدهماء ، وتبييت الغارات على المسلمين ، والفساد في الأرض ، وهذا أعظم من الصبر على جور الجائر "
فأفاد أن الأفضل أن يكون الحاكم متميزا عن غيره من المسلمين بالعدل والإحسان ، وهذا ليس فرضا ، وإذا عظم جوره فالصبر عليه مقدم على عزله عند احتمال الفتنة .
وجاء في كتاب غياث الأمم ، أن للعلماء في عزل الفاسق وعدم عزله رأيان ، فمنهم من رأي عزله ، لأن طروء الفسق مثل طروء الجنون ، فكما يعزل المجنون لعدم قدرته على تسيير أمور البلاد كما يجب فكذلك يعزل الفاسق ، لأن السبب الذي اختاروه من أجله لا يتوقع منه أن يفعله ؛ ومنهم من لا يرى عزله ، وأن حال الفاسق يختلف عن حال المجنون ، وهذا هو الحق ، وعنه جاء في الكتاب المذكور : " المصير إلى أن الفسق يتضمن الانعزال والانخلاع بعيد عن التحصيل ، فإن التعرض لما يتضمن الفسق في حق من لا يجب عصمته ظاهر الكون ( الوقوع ) سرا وعلنا ، عامّ الوقوع ، والذي يجب القطع به : أن الفسق الصادر من الإمام لا يَقطع نظرَه ، ومن الممكن أن يتوب ويسترجع ويؤوب ، وقد قررنا أن في الذهاب إلى خلعه وانخلاعه بكل عثرة رفض الإمامة ونقضها ، واستئصال فائدتها ، ورفع عائدتها ، وإسقاط الثقة بها ، واستحثاث الناس على الأيدي عن ربقة الطاعة ".
وبناء على كلامه لا يجوز العزل لمجرد الفسق ، وإنما يباح إذا أفرط فيه ، وقد قال عنه : " فأما إذا تواصل منه العصيان ، وفشا منه العدوان ، وظهر الفساد ، وزال السداد ، وتعطلت الحقوق والحدود ، وارتفعت الصيانة ، ووضحت الخيانة ، واستجرأ الظلمة ، ولم يجد المظلوم منتصفا ممن ظلمه ، وتداعى الخلل والخطل إلى عظائم الأمور ، وتعطل الثغور ، فلا بد من استدراك هذا الأمر المتفاقم ".
وعن كيفية علاج مثل هذه الحالات قال : " إن تيسر نصب إمام متجمع للخصال المرضية ، والخلال المعتبرة في رعاية الرعية ، تعين البدار إلى اختياره ...... وإن علمنا أنه لا يتأتى نصب إمام دون اقتحام داهية دهياء ، وإراقة دماء ، ومصادمة أحوال جَمّة الأهوال ، وإهلاك أنفس ، ونزف أموال ، فالوجه أن يقاس ما الناس مدفوعون إليه مبتلون به بما يُفرَضُ وقوعه في محاولة دفعه ، فإن كان الواقع الناجز أكثر مما يقدر وقوعه في روم الدفع ، فيجب احتمال المتوقع له ، لدفع البلاء الناجز ، وإن كان المرتقب المتطلع يزيد في ظاهر الظنون إلى ما الخلق مدفوعون إليه فلا يسوغ التشاغل بالدفع ، بل يتعين الاستمرار على الأمر الواقع ، وقد يقدم الإمام مُهمّا ، ويؤخر آخر ، والابتهال إلى الله ، وهو ولي الكفاية ".
أي إن ظنوا أن ما هو واقع بهم أسوأ مما سيحدث لو عزلوه بالقوة فلهم عزله ، وإن علموا أن عزله باهظ الثمن فيحرم عليهم ؛ فالواجب مع احتمال وقوع اضطرابات وظلم وفتن وقطيعة الصبر على ظلمه وعصيانه ، ولكن تجرأ بعض العلماء المعاصرين على مخالفة هذا الأمر ، وفرح بهم بعض العامة بدعوى أنهم يفهمون واقع الأمة أكثر ممن تقدمهم ، فنتج عن فتاواهم بلايا داهمة ، ودواهي فَاقِرَة ، ستكلفهم يوم القيامة الكثير.

الخلاصة 13
أنه إذا كان ولي الأمر يفعل المعاصي ، فالواجب على المقربين منه أمور ، أولها أن ينصحوا له في ذلك ، وينهوه عنها بما لا يثير حفيظته ، سواء كان ذلك مجديا أم لا ؛ ثانيها : أن يبحثوا في عزله دون إراقة دماء ولا تفتيت للحمة الوطنية ولا تفكيك البنية الاجتماعية ، فإن تيقنوا السلامة فلهم عزله ؛ وإن كان هناك احتمال وقوع شيء منها فحرام عزله ؛ ثالث الأمور هو الصبر على ذلك ، حفاظا على تماسك المجتمع ، وحذرا مما ذكر ، فمن لم يبال بأقوال العلماء التي تقدمت ، وخاض في دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم فليس له إلا النار ، لأن هذه حقوق عباد لا يشملها عفو الله ومغفرته ، فتلك فيما هو من حقوق الله سبحانه.
الباعث الثالث : منع الناس من حقهم في بيت المال
يظن بعض المسلمين أن الحقوق التي تبنتها المنظمة العالمية لحقوق الإنسان هي حق شرعي في دين الله أيضا ، وبنى على هذا أن الحاكم عندما يمنعهم من أي حق من تلك الحقوق فهو مجرم ، ومن حق الناس عزله في أي وقت ، والحقيقة أن للإنسان في دين الله حقوق ، وله في المنظمة الدولية حقوق ، وتتشابه الحقوق بين كل منهما وتتباين ؛ فليس في الإسلام حق الردة ، ولا أكل أو شرب ما حرمه الله ، ولا المعاشرة الجنسية خارج الدائرة الزوجية أو ملك اليمين ، هذه كلها لا يباح الإقدام عليها ولو بالتراضي فهي محرمة شرعا ، ومع هذا يرى الغربيون ومن نحا نحوهم منا أنها من حقوق الإنسان.
والحقوق التي نصت عليها الأدلة تنحصر في أمرين ، هما : الحق في بيت المال وفي الأمن ، وهل منه ما استحدثه الناس اليوم كحرية تكوين الأحزاب ، والتظاهر ، وتداول السلطة ، وغيرها ؟ الجواب أن هذه أمور ترك الإسلام القول الفصل فيه لعرف الناس وتوافقهم على منحه أو المنع منه ، ولا يجبر الحاكم على أي منها منحا أو منعا ، وامتثال أوامره فيها يندرج تحت الطاعة في المعروف الثابت بعدة أدلة ؛ بخلاف الحق في الحياة ، والأمن ، والعبادة ، والتحرر من العبودية ، فإن ابتلوا بمن منعهم من هذه الحقوق فهو آثم ، ولكن يجب شرعا أن لا يصل رد الفعل على ذلك إلى درجة عزله من منصبه بالقوة المسلحة.
ومعلوم أن التداول السلمي للسلطة هو فكرة أوربية ، وعند التفكر فيها نجد أنها لا تتأتى في مجتمعاتنا ، فهي لم تظهر هناك إلا بعد قيام الدولة الحديثة التي تستلزم وجود جيوش تحمي البلد ، وموظفين في عدة قطاعات ، وتعليم بطريقة معينة ، وقبل هذا وبعده : مدن تجمع أخلاطا من البشر مختلفي الأعراق ، ومعلوم أن مجتمعاتنا تختلف عن تلك المجتمعات ، فالناس هناك أشبه ما يكونون بمجتمع حيواني لا تربطهم رابطة الأسرة والقبيلة ، يقطنون في مدن لا يشعر الفرد فيها بأنه ينتمي لأي مكون من مكوناتها ، وحين يتوجه للتصويت لا يتأثر بشيء ، إلا الحملة الانتخابية لهذا المرشح التي تستهويه فيختاره ، في حين أن غيره تستهويه حملة غيره فيختار غيره.
لذا لا ينبغي للمسلمين أن يتبنوا هذا الأسلوب في الحكم ، فهو في الغرب يعتمد على الدعاية المفرطة في الوعود الصادقة وغيرها ؛ أما هنا فيعتمد على الانتماء ، والناخب يعرف من ينتمي إليه فقط ، واختياره ربما يكون عشوائيا ؛ والحملات الدعائية التي قد يفضل البعض استيرادها لا تتفق مع تعاليم الإسلام ، ولو لم تكن كاذبة ، لما فيها من تزكية المرء نفسه باللسان ، وهذا منهي عنه شرعا بقوله تعالى : " فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى " وهي مخالفة للأدلة الشرعية ، فالمرشح يطلب من الناس أن يختاروه ، وهذا مخالف لما روي عن أبي موسى قال : دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من بني عمي ، فقال أحد الرجلين : يا رسول الله أَمِّرْنا على بعض ما وَلّاكَ الله عز و جل ، وقال الآخر مثل ذلك ، فقال : " إنا والله لا نُوَلّي على هذا العمل أحدا سأله ولا أحدا حرص عليه " فكل من يلصق صورته على ملصق ويكتب اسمه ويعطي معلومات عنه ، ويطلب من الناس ترشيحه فليس جديرا بانتخابه شرعا.
وإن ابتلي المسلمون بمن منعهم من حقهم المالي فلهم مطالبته بذلك شرعا ، وأما عزله فغير جائز ، لأمرين ، أولهما : أنه يصعب معرفة ما إن كان قد منعهم من حقهم فعلا أم لا ، فحقوق المال ثابتة لكافة المسلمين في مختلف الأقطار لا لمسلمي ذلك القطر وحدهم ، ومن الصعب معرفة إن كان منحهم أو منعهم ، فإن تبين لهم أنه منعهم فلينظروا هل يمكن خلعه دون التسبب فيما ذكر من الفتن والبلايا فيباح ، أو لا يمكن إلا به فيمنع ، ثانيا : لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يأذن للناس في الخروج على من منعهم من هذا الحق ، بل أرشد إلى الصبر ، والأدلة على هذا كثيرة وصحيحة ؛ وأول من رأى الخروج على من يمنع الناس من حقوقهم المالية من الحكام ولم يوافقه الرسول عليه : أبو ذر الغفاري رضي الله عنه ، وقد أرشده لما هو خير منه ، فقد روي عنه رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كيف أنت وأئمة من بعدي يستأثرون بهذا الفيء " ؟ قال قلت إذا والذي بعثك بالحق أضع سيفي على عاتقي ثم أضرب به حتى ألقاك أو ألحق بك ، قال : " أوَلا أدلك على ما هو خير من ذلك ؟ تصبر حتى تلقاني " وفي معنى هذا الحديث أحاديث أخرى ، منها ما روي عن أنس رضي الله عنه : دعا النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار ليقطع لهم بالبحرين ، فقالوا : يا رسول الله إن فعلت فاكتب لإخواننا من قريش بمثلها ، فلم يكن ذلك عند النبي فقال : " إنكم سترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني " فأخبر بأن بعض الحكام سيستأثرون بالمال العام ، وأمر بالصبر على ذلك.
وعن علقمة الحضرمي قال : سأل سلمة بن يزيد رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا نبي الله أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا ، فما تأمرنا ؟ فأعرض عنه ، ثم سأله فأعرض عنه ، ثم سأله في الثانية أو في الثالثة ، فجذبه الأشعث بن قيس وقال : " اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حُمّلوا وعليكم ما حُمّلتم ".
لقد سأل أحدهم عن كيفية التعامل مع حكام يمنعون الناس حقوقهم ، فرد الأشعث : السمع والطاعة لهم ، وسكت الرسول وهذا إقرار منه لما قاله الأشعث ؛ وما روي أيضا عن ابن مسعود رضي الله عنه : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ستكون أثرة وأمور تنكرونها " قالوا : يا رسول الله فما تأمرنا ؟ قال : " تؤدون الحق الذي عليكم ، وتسألون الله الذي لكم ".
وأما نحو التظاهر : فليس من حقوق الناس على الحاكم ، وليس من الفرائض الشرعية على كل مسلم ، فلا يجبر الحاكم عليه ، وأما تكوين الأحزاب لتداول السلطة : فمن المسلم به أن الغرب الذي اخترعها وصدّرها إلينا يعلم عيوبها ، لأنها تخترق من أعدائنا بعدد من الجواسيس ، وبذلك فإنها تشكل خطرا علينا ، إننا نعيش في عالم تنشط فيه الجوسسة ، والأحزاب أسهل الطرق للتجسس ، ذلك أن الأحزاب تبدأ بفكرة يطرحها شخص على عدد قليل فإذا رأوا رأيه تدارسوا تكوين حزب يضع برامج معينة لتسيير الأمور في هذا البلد أو ذاك ، ثم يدعون الناس للتصويت على برنامجهم ، فالفرد إذا : هو الذي يبدأ به الحزب ، وهذا لا يصعب على أجهزة المخابرات أن تجنده للتجسس على دولته ، فإن لم يستجب فلا يصعب عليها تجنيد غيره من أعضاء ذلك الحزب ، إن الخطورة على مجتمعاتنا محققة ، ومن مظاهرها كثرتها عندنا وقلتها عندهم ، وسببه أن الأحزاب هناك لخدمة الوطن ، وهنا لخدمة الدول التي صنعتها.
إن الرغبة في تكوين الأحزاب ليست حقا لازما للناس على الحكام وإن سماها البعض كذلك ، وبذلوا حياتهم في سبيلها ويحسبون أنهم مهتدون ، وخاب سعيهم ، فلا دليل على أن هذه حقوق لهم ، ولا أنه يباح لهم العزل بالقوة إذا لم يمنحهموها ، على المسلم المحافظة على حياته فلا يعرضها للموت ، وعلى سلامة نفسه فلا يعرضها للإذلال إلا في سبيل الله.
وما ذكر من حقوق ليس مما يحتاج إليه جميع الناس كحاجتهم للأمن والمأكل والمشرب الذي يحفظهم على قيد الحياة ، وإذا كان للبعض رغبة فيها فلهم أن يطالبوا بها فقط ، ولا يجوز إجبار الحكومة عليها أو إسقاطها إن لم تستجب لذلك ، إنها رغبة تتعلق بهواة السياسة ، وهم أقلية قليلة في كل مجتمع.
وحرية التعبير بتفرعاتها رغبة تتعلق بالأدباء والنقاد ، وهم أقلية قليلة في كل مجتمع أيضا ؛ فلذا لا يجوز الإصرار عليها كالإصرار على ما هو حق لجميع الناس ، ولا يجبر حاكم عليها شرعا لأنها ليست من الفرائض ، وإن أراد ذلك باختياره فلا بأس لأنها ليست مما حرمه الله ، أما عزله بالقوة من أجلها فمحرم.
تبقى مسألة تحسين دخل الفرد إذا كان الناس يعيشون عيشة متوسطة ، إنه هو الآخر لا يبيح إسقاط الحكومة بسببه ، فالثراء وإن لم يكن أمرا ممقوتا في ديننا ، إلا أنه غالبا ما يفضي إلى ترف ورفاهية يجعل من الواجب منع الناس منه ، لأنهم بلا شك سيرتكب بعضهم المعاصي الكبائر والصغائر ، فمنعهم منه أهدى سبيلا.

الخلاصة 14
أن الحقوق المالية قد أرشد الرسول الصحابة بعدة أسانيد إلى أن الأولى أن يصبروا على من يمنعهم منها ؛ أما المنع من غيرها كحرية التظاهر ، وحرية التعبير ، وتداول السلطة ، والفشل في بناء الدولة وإدارة البلد وغيره ، فلا يعزل بسببها إجماعا ، وهم مخيرون بين مراجعته للمطالبة بها ، أو الصبر لأن هذه الأمور ليست من الحقوق التي أوجبها الله لهم عليه كحقهم في بيت المال ، ولا من الفرائض الشرعية.
ومما تقدم من الأدلة ومواقف الصحابة نعلم أن من يشتد ظلمه أو يكثر فسقه ، فلهم حياله أمور : إما أن يصبروا على ظلمه وفسقه ، أو ينهوه عن ذلك ، أو الهجرة إلى دولة مسلمة أخرى ؛ وأن من يخالف أدلة شرعية في قراراته فلهم إزاءه أمران : تنبيهه لمخالفته ، أو الهجرة لله ورسوله ، لا للإطاحة به ؛ أما الإطاحة بنظامه ولو وع احتمال إراقة الدماء فحرام ، فالحاكم يجوز عزله في حالتي شدة ظلمه وكثرة فسقه بشرط الأمن من الفتنة والظلم وتفكيك البنية الاجتماعية للمسلمين ، وأما في حالة المنع من الحقوق المالية فلا يجوز الخروج بأي حال ، وكذلك لو أمر أو نهى عما يراه هذا العالم أو ذاك مخالفا للدين ، فهنا يجوز الاعتراض عليه أو الهجرة من الأرض التي يحكمها ، ولا يجوز عزله مع احتمال وقوع ما ذكر .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الجزء 2 من ضوابط العلاقة بين الحاكم والمحكوم في الإسلام
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى وموقع نادي الإمام مالك العلمي :: القسم العام :: معرض المواضيع والإبداعات الشخصية-
انتقل الى: