منتدى وموقع نادي الإمام مالك العلمي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته مرحبا بك أخي الزائر أختي الزائرة ، نتشرف بتسجيلكم في منتدى نادي الإمام مالك العلمي، ونتمنى لكم ومنكم الإفادة والإستفادة

منتدى وموقع نادي الإمام مالك العلمي


 
الرئيسيةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الجزء 6 والأخير من ضوابط العلاقة بين الحاكم والمحكوم في الإسلام

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمود أبو العلا
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 8
نقاط : 13364
تاريخ التسجيل : 28/03/2014

مُساهمةموضوع: الجزء 6 والأخير من ضوابط العلاقة بين الحاكم والمحكوم في الإسلام   السبت مارس 29, 2014 11:54 am


أحداث سوريا

أحداث سوريا تختلف عن سائر الأحداث ، فالوصف الدقيق الذي يمكن أن توصف به أنها حرب مشاريع ، مشروع الإخوان الذين تدعمهم قطر وتركيا ، ومشروع من يطلق عليهم اسم السلفيين الذين تدعمهم السعودية ، ومشروع القاعدة التي تعتمد على نهب السلاح من عدة دول وإرساله للنقاط الساخنة في المنطقة ، ومشروع الليبراليين الذين تدعمهم دول غربية متعددة لإسقاط النظام القائم ، وقد وجدت الدولة نفسها مضطرة لمواجهتهم جميعا وإراقة دمائهم.
لقد واجهت سوريا حملة أشد شراسة من ليبيا ، فعلماء المسلحين الجهاديين ما فتئوا يحثون المسلمين من كل البقاع على الاحتشاد للجهاد ضد نظام بشار الأسد النصيري المدعوم من النظام الفارسي الصّفويّ الاثنا عشريّ الإيراني ، وتخليص سوريا من حكم الأقلية النصيرة العلوية الذي أفلح في قتل شعبه وأخفق في تحرير أرضه على مدى عشرات السنين !!.
وجوابا عن هذا الإخفاق المتوهّم يقال : إن الجولان أرض عربية سورية احتلها الصهاينة في حرب ليست بين الصهاينة وسوريا فقط ، بل يبينهم وبين العرب أجمعين ، فتحريرها لا يمكن أن يحصل من دون دعم العرب كلهم ، فهل العرب أرادوا إعانته حقا وخذلهم هو ؟ لنكن منطقيين لا انفعاليين عاطفيين !! إن الرئيس المصري أنور السادات قد خدع سوريا عندما أشركها في الحرب ، ولم يخبرها بالتفاوض مع العدو من وراء الكواليس !! وسوريا وغير سوريا منفردة لا تستطيع تحرير الجولان لكبر مساحتها ، ولقلة عدد سكانها ، الذي لا يسمح بظهور جماعات تقاتل الصهاينة من الداخل ، كما هو الحال في غزة وجنوب لبنان ، وعلى من يحترمون أنفسهم من المثقفين الذين يلومون النظام على عجزه عن تحرير الجولان أن يعيدوا قراءة واقعها.
وإنما توصف سوريا بأنها دولة الصمود مع أنها لم تسترجع الجولان ، لأن الصمود في مثل هذه الحال لا يكون بتحرير شبر أو متر ، بل برفض الاستسلام الذي تورطت فيه مصر والأردن والسلطة الفلسطينية ، تحت شعار : خذ وطالب ، مع أن الواقع الذي نحياه إنما ينطبق عليه شعار على النقيض من هذا ، ألا وهو : أعط وطالب ، وهكذا حال المسئولين في الدول المذكورة يعطون الصهاينة ما يطلبون ، ويطالبونهم فلا يحصلون على ما يريدون.
ورأيُ بعضِ العلماء بأن سوريا تحكمها أقلية نصيرية علوية موغل في الحماقة والسذاجة ، فالنظام فيها ليس نصيريا ، بل هو بعثي ، تحكمه منذ أربعين سنة : الجبهة القومية المكونة من عدة إثنيات سكانية ، وجماعات بشرية مختلفة الأعراق والمذاهب ، فمنهم السنة ومنهم الشيعة والدروز والنصيريون العلويون والنصارى ؛ ومنهم العرب والسريان والأكراد ، وأعراق وطوائف أخرى ، ولا علاقة له بالنصيرية.
وكان الناظر لبعض العلماء الداعمين للمعارضة يرى الدموع منسكبة على وجناتهم ، يدعون الله أن ينصر مجاهديهم !! مع علمهم أن فتاواهم سينتج عنها سفك دماء المسلمين وقطيعة اجتماعية لن تنتهي بعد عشرات السنين ، وفي سبيل ماذا ؟ في سبيل نشر أفكار علماء غير معصومين ، وفي سبيل أهداف تنتهي بانتهائهم في الحياة الدنيا التي يعلمون أنهم تاركوها ذات يوم قريب !! لقد قال الله تعالى : " وَللهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " ويخشى أن يصدق عليهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه ".
وتتميز الحالة السورية بدخول عناصر كثيرة من دول عديدة للقتال ضد الدولة ، إذ يقدر أن أكثر من 80 جنسية لها أفراد يقاتلون في سوريا ، ممن لا يعرفون من الإسلام إلا قتل المخالف ، أما إخافة الآمنين وإراقة دمائهم وتدمير بلادهم ، فغير مهم عندهم ما لم يعمل بقولهم ، ويشيد بهم وبشيوخهم !!.
وأحيانا يتذرعون بذريعة هي أقبح من ذنبهم الذي يمارسونه ، وهو أن هناك في سوريا غزاة من إيران ومن حزب الله ، فهل هم غزاة حقا ؟! إنهم ليسوا كذلك بكل تأكيد ، إنه في مقابل وجود مقاتلين مدعومين من دول مختلفة المشارب ، كان للنظام دول وقوى داعمة له في السر وفي العلن ، ولا يشعرون بحياء في الإعلان عن دعمه ، بخلاف المقاتلين من خصومه ، لأن مسلكهم مخجل ومشين ، أما المقاتلون معه فلا يجدون حرجا في الإعلان عن دعمهم له ، لأنهم جميعا يقاومون هجمة صهيونية غربية لها من يدعمها علميا ، وإعلاميا ، وماليا ، ونتيجته دمار سوريا ، وتسبب فيه من جاءوا لقلب نظام شرعي ، فاستعانته بأصدقائه لا تختلف عن استعانة البحرين بقوات درع الجزيرة ، وكلهم ليسوا محتلين ، ووجودهم شرعي ، فالنظام هو الذي طلب منهم مساعدته في مواجهة خصومه في كلتا الدولتين.
والمرء يتساءل متى أضحى بعض السوريين أتباع الطائفة النصيرية والعلوية ؟ هل منذ بضعة أشهر فقط ؟ أليس بشار الأسد هو ابن حافظ الأسد الذي تولى حكم سوريا منذ أربعين سنة ؟ فلماذا ترتفع الأصوات اليوم بتخليص سوريا من الحكم النصيري ؟ ألا إنه من سيّء عمل العالِم المسلم أن يستخدمه السياسيون حصان طروادة يمتطونه متى يشاءون ويسَخّرونه كيفما يريدون !! سيحاسب هؤلاء العلماء الذين استخدمهم السياسيون المفسدون ، فتسببوا في إراقة دماء المسلمين بهذه الصورة المروعة ، وقطع الأرحام ، وسيدفعون ثمن هذه البلايا وسيحاسبون على هؤلاء الضحايا ، إن الإسلام يوفر حصانة لمن يدين به ، ولن يفلت كل من استهان منهم بكلمة التوحيد ، عالما كان أو غير عالم ، ممن لم يبال بقتل خصومه أو الحث عليه ، كأنهم قوم كافرون .
ولا يفوتنا التنويه بما قام به السياسيون الخليجيون من عمل دءوب ونشاط متواصل في أروقة الجامعة العربية أفضى إلى إحداث شرخ كبير في هذه المؤسسة العربية العجوز ، فوصل الأمر إلى حد تسليم مقعد سوريا فيها للمعارضة ، وهم اليوم حيص بيص يضربون كفا بأخرى ولا يعرفون كيف يتصرفون ، فالوفد الحكومي قادم والنظام باق بلا ريب ، وشرعيته تتجذر حينا بعد حين ، والغرب لم يجد بدا من القبول بالنظام كممثل شرعي لسوريا ، ولهذا دعا وزير الخارجية الأمريكي زعماء الفصائل المسلحة في سوريا ، وحدثهم بأن عليهم أن يذهبوا إلى مؤتمر جنيف ، ولما أبدوا ترددا في ذلك قال لهم بكل كبرياء : إما أن تذهبوا إلى جنيف ، وإلا سوف نحلكم !! هذا هو وضع المعارضين ، وهكذا يكون حال التابع ، وما دور الخليجيين إلا النفقة على هؤلاء المسلحين الذين يتعين عليهم أن ينفذوا مخطط الغرب الحقود
إن ما يحصل في سوريا هو رد فعل صهيوني يهودي نصراني في قالب الغيرة على الحريات العامة للسوريين ، فسوريا منذ أربعين عاما كانت محكومة بهذه الطريقة ولم تغيرها ، وكأنّ العلماء في غيبوبة عنها لم ينتبهوا لها إلا اليوم !! للأسف ، لما أراد الأعداء تفجيرها هي الأخرى من الداخل وجدوا من الفقهاء من يعين على ذلك !! .
إنه من المعلوم أن الصهاينة لم يتمكنوا من إخضاعها لإبرام صلح معهم ، بل إن مواقفها على الصعيد الخارجي مناقضة كلية للمشروع الصهيوني ، فمنذ أن استولت عصابات الصهاينة على الجولان حرصوا هم ومن ورائهم الغرب ، على حمل حافظ الأسد أن يبرم اتفاق صلح معهم فلم يفلحوا ، حتى لقد قال الرئيس الأمريكي عن الرئيس السوري حافظ الأسد عند وفاته : ( كان مفاوضا عَصِيّا ) ولما قضى نحبه تولى بعده ابنه بشار وسار على نفس الخط ، وأرادت الدوائر الدبلوماسية الدولية أن يسير حسب ما تهواه هي ، فلم تفلح ، فكانت هذه الهجمة .
وجذور الحراك في سوريا لا يمكن فصله عما يجري في المنطقة ، وقد ظهر ذلك المخطط بوضوح منذ العام 2005 عندما اغتيل رفيق الحريري الذي كان ذات يوم رئيسا للوزراء في لبنان ، ومع أنه أضحى مواطنا عاديا بعد تنحيه عن منصبه لا يختلف اغتياله عن اغتيال أول لبناني بسبب سياسي وهو المرحوم معروف سعد ، فإن اغتياله حضي باهتمام دولي كبير ، وسبب ذلك رغبة أصحاب القرار في واشنطن وغيرها في استخدامه في اتخاذ قرار أممي يطلب من سوريا الخروج من لبنان ، ليتم بعد ذلك تغيير ألوان الطيف السياسي اللبناني ، ولكنهم لم يتمكنوا من ذلك مع أن سوريا خرجت ، فكان عدوان 2006 من قبل الصهاينة ، واندحر العدوان ، وعجز عن تغيير الخارطة السياسية اللبنانية هو الآخر ، فكان القرار بضرب سوريا من الداخل ، فبدأت الحرب الهادفة للإطاحة بالنظام والرئيس بشار ، فهو أحد الرؤساء العرب الذين أدرجت الإدارة الأمريكية أسماءهم للتخلص منهم ، كما تقدم .
ودخل على الخط دعاة من الجامعات والجوامع السعودية والخليجية ، ينشرون على الفضائيات الدعوة للجهاد ضد النظام الكافر !! كأنما وصل للحكم منذ أشهر لا غير ، أين كان علم هؤلاء العلماء قبل العام 2011 ؟ إنه لو لم تكن سياسة النظام بهذا الشكل الداعم للمقاومة لما تعرضت سوريا لهذه الحرب ، ولا تمكن خصوم النظام من الاستمرار ، حتى يومنا هذا.
ومنذ الأيام الأولى للتمرد وصل إلى دمشق وزير خارجية الإمارات ، حيث كانت العلاقة بينها وبين الحكم السوري جيدة ، فذكر لوزير خارجيتها أن الحال في سوريا سيكون كالحال في ليبيا ، إلا إذا فعل النظام السوري أمورا ثلاثة ، أولها : قطع العلاقة مع إيران ، وثانيها : طرد المنظمات الفلسطينية من دمشق ، وثالثها : عدم التدخل في لبنان الذي اضطرت للانسحاب منه بعد أن دخلته بتفويض دولي لوقف الحرب الأهلية ، حيث لا وجود في الواقع لدولة بالمعنى الحرفي للكلمة منذ عشرات السنين ، وكبار ساستها لا يجدون صعوبة في ارتكاب مخالفات صارخة للدستور ، ومن ذلك ما فعله بيت آل الجميل ، من قبيل الاستعانة بالإسرائيليين صراحة في مواجهة الفلسطينيين والسوريين وإخوانهم في الوطن من اللبنانيين ، إذ يذكر السيد جوزيف أبو خليل من حزب الكتائب أن رئيس الحزب يومها بيار الجميل أب أمين الجميل رئيس حزب الكتائب حاليا طلب منه أن يجري اتصالات بالإسرائيليين للحصول على أسلحة وذخيرة ، وذكر بلغة لا لبس فيها أنه قام بذلك ، وأنه تم الاتفاق مع المسئولين الإسرائيليين على عقد اجتماع في زورق في عرض البحر ، وأن الاجتماع عقد فيه فعلا ، وهنا يجب التذكير بأن هذا العجوز البائس مع أنه يتودد للصهاينة قد أخزوه حين لم يسمحوا بعقد الاجتماع في فلسطين ، فمع تملقه لهم لم يسمحوا له بتدنيس أراضيهم !! وذكر أنه استطاع الحصول على أسلحة وذخيرة منهم ، وأبدى أسفه لما اكتشفوه من أن صناديق الذخيرة مكتوب عليها صنع في مصر ، ما يدل على أنهم حصلوا عليها في سيناء بعد أن سيطروا عليها في نهاية حرب عام 1967.
ومن ذلك أيضا ما توضحه صور لأمين الجميل يعانق ويحتضن !! آرييل شارون وزير الدفاع الصهيوني عام 1982 إبان اجتياحهم للبنان ذلك العام ، ويستضيفه في بيته ، ويقدمه لعائلته.
ومنه أيضا ما توضحه الصور التلفزيونية من قيام سمير جعجع رئيس حزب القوات اللبنانية حاليا إبّان الحرب الأهلية وهو يرسل من يقع أسيرا في يده من الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين إلى الصهاينة في فلسطين المحتلة مكبلي الأيدي ، ومعصوبي الأعين.
ومنه ما كان يقوم به ما كان يسمى جيش لبنان الجنوبي ، الذي أسسه سعد حداد من عدد من المجندين اللبنانيين من مختلف الطوائف ، ثم خلفه بعد موته انطوان لحد ، فظلوا يوفرون حماية للصهاينة في الجنوب اللبناني بقدر مستطاعهم ، ولم يلبث الصهاينة أن اكتسحوا الجنوب وظلوا فيه سنوات طويلة ، ولكن المقاومة اللبنانية لم تهدأ بل استمرت بوتيرة أقوى عاما بعد عام ، حتى اضطر رئيس وزراء الصهاينة إيهودا باراك أن يصدر تعليماته لقواته بالهروب من الجنوب اللبناني !! وفعلا هربوا في ليلة من ليالي شهر مايو عام 2000 دون أن يبلغوا من كان يقاتل إلى جانبهم من جيش لبنان الجنوبي ، فاستيقظ أفراده صباح تلك الليلة كما استيقظ الأسرى الذين كانوا محتجزين في معتقل على الحدود على قرع زنزانتاهم من مواطنيهم يخبرونهم أن الصهاينة قد هربوا ، وبعد جهود مضنية استطاع السكان فتح أبواب الزنازين ، لأن المفاتيح هرب بها الصهاينة معهم !! ففتحوا الأبواب وخرج السجناء ، وهكذا وجد السيد انطوان لحد نفسه هو ومن معه في الجنوب وجها لوجه مع من كانوا يقاتلونهم مدعومين من الصهاينة ، والآن هرب الصهاينة !! فبلغ منهم الأسى مبلغا كبيرا ، وعبّر عن ذلك بقوله عنهم : خدمناهم أربعا وعشرين سنة ، وخذلونا في أربع وعشرين ساعة !!.
هذه نماذج لعجز ما يسمى بالحكومة اللبنانية عن سيطرتها على لبنان التي ينص دستورها على أن أي اتصال بالصهاينة خيانة عظمى ، ولكن عجز الدولة أوضح من الشمس ، ولهذا حصلت سوريا على تفويض دولي وعربي بدخول لبنان ، ونظرا لدعم سوريا لحزب الله ومن معه من أهل السنة وغيرهم في مواجهة أصدقاء الصهاينة من اللبنانيين بمن فيهم بعض أهل السنة الذين ينتمون لتيار المستقبل ممن يطالبون ليل نهار بنزع سلاح الحزب بدعوى أنهم لا يريدون سلاحا إلا سلاح الجيش اللبناني ، وأن الدولة اللبنانية هي التي يجب أن تدافع عن لبنان وليس الحزب ، إلا أن هذا الخبث لم ينطل على القيادة في الحزب ، فكانت ترفض ذلك بقوة دائما ، لأن المقصود فعلا هو إخراج السلاح من مخابئه الحالية ونقله إلى مواقع معينة تابعة للجيش اللبناني فيسهل على الصهاينة تدميره خلال بضع ساعات ، ولم يفلحوا حتى اليوم في ذلك ، فهذا السلاح لم يستطع الصهاينة أن يناولوا منه في عدوانهم على لبنان عام 2006 حتى إن طيران التصوير كان يصور مواقعه ثم تأتي الطائرات الهجومية لقصف المكان فلا تصيب من السلاح شيئا ، وهكذا سلم السلاح ومن يحمله !!.
وكان لسلاح الاتصالات دور كبير في ذلك ، نظرا لأن منظومة اتصالات حزب الله لم تكن مربوطة بمنظومة اتصالات لبنان ، التي تبين أنها كانت مخترقة من الصهاينة على نطاق واسع ، وكنتيجة لعدم الربط هذا بين الشبكتين طلب الصهاينة من عملائهم في الحكومة اللبنانية يومها برئاسة فؤاد السنيورة إصدار قرار بتفكيك منظومة اتصالات حزب الله في القرار رقم 7 المشئوم ، الذي صدر في الخامس من مايو من نفس العام ، مما دفع قيادة الحزب إلى الطلب من أنصارها النزول في جميع المدن لقلب الحكومة ، وتم هذا في اليوم الثامن من نفس الشهر ، وتفاقم الأمر بين الطرفين ، وانتهى باتفاق الدوحة الذي أبقى المنظومة كما كانت ؛ لهذا وغيره كانت المؤامرة على سوريا كبيرة ، بكبر حجم سوريا المقاومة ، وعلو همتها.
وعليه فلا يصح القول بوجود ما يسمى ( ثورة ) في تلك البلاد ، بل مخطط ومشاريع دولية صرح به كبار الساسة الدوليين ؛ وكثير من الصغار عندنا لم يعلموا بذلك ، وما زالوا يحلمون بأفكار ليس لها رصيد علمي ، فمن ثم يصرون على عدم الاعتراف بوجود مخطط أبدا.
ولقد أراد الصهيوني المجرم برنار هنري ليفي نقل السيناريو الليبي إلى سوريا ، وبذل جهودا مضنية مع حكومة فرنسا الجديدة ، برئاسة الرئيس فرانسوا هولاند ، إلا أنه أخفق في ذلك ، نظرا لأن أحداث ليبيا أسفرت عن مقتل وتشريد عشرات الآلاف منهم ، فلذلك أصرت دول كبرى على رفض تكرار السيناريو الليبي حين طلب المسلحون السوريون تدخلا من الأمم المتحدة ؛ فقد أخذوا درسا من مأساة ليبيا ، وحرصوا على عدم تكرار خداعهم في سوريا كلما طرح للنقاش في أروقة مجلس الأمن والأمم المتحدة ، وكانت روسيا والصين دائما تعترضان على أي قرار تشوبه شائبة الخداع ، ويفاقم الأزمة .
ومعلوم أن النظامين السوري والليبي وجّهَا دعوة لمعارضيهما للحوار والمصالحة ، وبذلك أبرآ ذمتهما أمام الله ، ورفض خصومهم ذلك لأسباب مختلفة ، فالعلمانيون رأوها فرصة أتيحت لهم ولن تتكرر في المستقبل المنظور ، وبعض الفقهاء أرادوا أن يحكموا من وراء الظل ، فنبذوا النهي عن المنكر ، وركزا على إسقاط الأنظمة بالقوة ، وهذا محرم ، فإن قالوا هم كفار فالله يقول : " وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا " والنظامان جنحا له وخصومهم رفضوه ، وإن قالوا هم مؤمنون فأين هم من الأمر بالصلح بين المؤمنين ؟ لقد ضربوا بها عرض الحائط ولم يقيموا لها وزنا .
ومما تقدم يتبين أن الخروج الذي وقع في بعض البلدان محرم ليس لأن الأنظمة صالحة ، كما يتهكم به من قام بهذا الحراك مع كل من يلومهم ، فالكل متفق على أن الأوضاع في دولنا لا تتفق مع الشريعة ، وأن تغيير ما هو واقع أمر واجب من فساد ، فالحكومات فعلت أخطاء تجبر الناس على الاحتجاج عليهم ، ولكن العلاج بهذه الطريقة لا يقبله العقلاء وربما المجانين أيضا ، فهو محرم ، وسبب حرمته هو ما أسفر عنه من ضحايا ودمار.

الخلاصة 24

أن الحكم في سوريا قد عمل ما يبيح الإطاحة به على ما اختاره القرطبي ورشيد رضا كما تقدم ، ولكن لا يخفى أنها دولة تضم أتباع مذاهب وأديان غير الإسلام ، وهذا أمر يستدعي التوقف عنده ، فالله يقول عن مثلهم : " فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم " والواجب تحديد كيفية تعامل الحكومة بطريقة شرعية مع تلك الأقليات ، وأما عزل الرئيس وقلب النظام فيها بدعوى أنه كافر لا يطبق تعاليم الإسلام فهو في غاية البعد عن الحقيقة ، فهناك خصوصية لعدة دول لا ينبغي معها القبول بالتسرع الصبياني الذي نراه.

تنوّع الحكام في النصوص الشرعية

جاء في النصوص الشرعية حديث عن تنوّع الحكام المسلمين ، وأن منهم العدل والجائر ، والمطيع والعاص ، والمؤمن والكافر ، وبينت كيفية التعامل مع كل صنف من هؤلاء ، وتحدث علماؤنا عن هذا باستفاضة ، وللأسف لم تحض كتاباتهم باهتمام من الرأي العام المسلم في هذه الأحداث ، فغالبية هواة العمل السياسي غير متخصصين في العلوم الشرعية ، وهم فريقان ، فريق لا يريد أن تتدخل الشريعة في الحكم والدين عنده عقيدة وعبادة ؛ وفريق مناقض لهم ولكنه مثلهم غير متضلع في العلوم الشرعية ، فغاب عن الجميع معرفة كيفية التعاطي الإسلامي معها ، ومعرفة ماذا لو أخلوا بواجباتهم ؟ وقد تقدم معرفة متى تجوز مراجعة الحاكم ؟ ومتى يجوز الاعتراض عليه ؟ ومتى يعزل سلميا ؟ ومتى يعزل بالقوة بأي ثمن ؟ وسنتعرف هنا على أدلة أصنافهم ، وعلى كيفية التعامل مع كل صنف منها .
بالاطلاع على النصوص التي تحدثت عنهم يمكن تقسيمهم إلى : ولاة أمر عدول يحبون الناس ويحبونهم ، ويدعو كل منهما للآخر ، وهؤلاء يحرم الخروج عليهم ، وآخرون أشرار يبغضون الناس ويبغضونهم ولا يدعو كل منهما للآخر ، ومع هذا لا يجوز الخروج عليهم كذلك ؛ وآخرون يفعلون أو يأمرون المسلمين بفعل أشياء يكرهونها ، وهؤلاء يجب كراهة أعمالهم مع البقاء على السمع والطاعة لهم وعدم الخروج عليهم ، وعن كل هؤلاء روي عوف بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ، ويصلون عليكم وتصلون عليهم ، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم ، وتلعنونهم ويلعنونكم ، فقيل يا رسول الله ألا ننابذهم السيف ؟ قال : " لا ما صلوا ، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه ، فاكرهوا عمله ، ولا تنزعوا يدا من طاعة " رواه مسلم
وولاة أمر يطلبون من الناس حق السمع والطاعة ، ويمتنعون من إعطائهم حقوقهم المالية ، وهؤلاء يجب على الناس أن يظلوا أوفياء لهم بحقوقهم ، وأمرهم إلى الله ؛ وعنهم روي عن علقمة بن وائل الحضرمي ، عن أبيه قال : سأل سلمة بن يزيد الجعفي الرسول فقال : يا نبي الله أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا فما تأمرنا ؟ فأعرض عنه ثم سأله فأعرض عنه ، ثم سأله في الثانية أو في الثالثة ، فجذبه الأشعث بن قيس وقال : " اسمعوا وأطيعوا ، فإنما عليهم ما حملوا ، وعليكم ما حملتم " رواه مسلم .
فهذا الرد من الأشعث سمعه الرسول ولم يعترض عليه ، وهذا إقرار منه لما قاله ، وهو دليل على عدم جوزا الخروج على الحكام حين يمنعون الناس من حقوقهم تلك .
وولاة أمر يستأثرون على الرعية بالمال ، وهؤلاء يجب على المسلمين الصبر على استئثارهم هذا ، فعن أسيد بن حضير أن رجلا من الأنصار خلا برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ألا تستعملني كما استعملت فلانا ؟ فقال : " إنكم ستلقون بعدى أَثَرَةً ، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض " رواه البخاري ؛ وعن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : " يا أبا ذر كيف أنت عند ولاة يستأثرون عليك بهذا الفيء " ؟ قال : والذي بعثك بالحق أضع سيفي على عاتقي فاضرب به حتى ألحقك ، قال : " أفلا أدلك على خير لك من ذلك ؟ تصبر حتى تلقاني " رواه أحمد ، وهو كذلك دليل على عدم جواز الخروج عليهم حين يمنعونهم من حقوقهم المالية .
وولاة أمر يراهم بعض الناس يفعلون بعض المعاصي ، وهؤلاء يجب كراهة فعلهم وعدم نزع أيديهم من طاعتهم ، روي عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ، وتصلون عليهم ويصلون عليكم ، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم " قالوا : قلنا : يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك ؟ قال : " لا ما أقاموا فيكم الصلاة ، لا ما أقاموا فيكم الصلاة ، ألا من وُلِّىَ عليه وَالٍ فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ، ولا ينزعن يدا من طاعة " رواه مسلم كذلك ، وهو دليل على البقاء على السمع والطاعة لمن يرون حكامهم يفعلون بعض المعاصي ، ولا يجوز الاقتداء بهم ، بل يجب كراهة تلك الأفعال .
وولاة أمر يضربون الناس ويأخذون أموالهم وهم شياطين في جثمان إنس ، وهؤلاء لا يجوز لمن ضربوا ظهره واخذوا ماله أن يعزلهم ، روي عن أبى سلام قال : قال حذيفة بن اليمان : قلت يا رسول الله إنا كنا بشرّ ، فجاء الله بخير فنحن فيه ، فهل من وراء هذا الخير شر ؟ قال : " نعم " قلت : هل وراء ذلك الشر خير ؟ قال : " نعم " قلت : فهل وراء ذلك الخير شر ؟ قال : " نعم " قلت : كيف ؟ قال : " يكون بعدى أئمة لا يهتدون بهداي ، ولا يستنّون بسنتي ، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس " قال ، قلت : كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك ؟ قال تسمع وتطيع للأمير ، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع " رواه مسلم ، وهو دليل كذلك على وجوب تحمل ظلم الحكام حين يقع منهم على أحد المسلمين بضرب ظهره وأخذ ماله ، ولو كان شيطانا في جسم إنسان .
فلو تفاحش من أحد الحكام ظلم الناس فهم أمام خيارات ثلاث ، إما : أن يصبروا على ذلك ، وإما أن يعزلوه حين يطمئنون إلى عدم وقوع ظلم وفتنة بين المسلمين ، وأما مع احتمال وقوع ذلك فالواجب الصبر كما تقدم ، أو يهاجروا من الأرض التي يحكمها ، أو ينهوه عن ظلمه الشديد ، لما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر ".
وولاة أمر ارتدوا ردة صريحة ، وهؤلاء يجوز الخروج عليهم وعزلهم ، مهما كانت نتيجته ، لما روي عن بُسْر بن سعيد عن جُنَادَةَ بن أبي أُمَيَّةَ قال : دخلنا على عُبَادةَ بن الصّامت وهو مريض قلنا : أصلحك الله ، حدّث بحديث ينفعك اللهُ به ، سمعته من النبيّ قال : دعانا النبيُّ صلى الله عليه وسلم فبايعناه ، فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا ، وَعُسرنا ويُسْرنا وأَثَرَة علينا ، وأن لا ننازع الأمر أهله ، إلا أن تروا كفرا بواحا ، عندكم من الله فيه برهان " ، في هذه الحالة فقط أذن الرسول في الخروج لعزل الحاكم ولو أريقت الدماء ، وتفتت اللحمة الوطنية ، وتفككت التركيبة الاجتماعية وحدثت قطيعة اجتماعية .

الخلاصة 25

أن الإسلام لا يمنع المسلمين من الخروج لمطالبة حكامهم بوقف ما يقع منهم من ظلم وفساد واستبداد بشرطين ، أحدهما : أن لا تكون الحكومة قد منعت من الخروج ، لأن المنع من ذلك هو من قبيل المنع من المباحات ، وليس من باب المنع من فرائض الله سبحانه ، والمباحات يجوز لأي حاكم المنع منها أو الإبقاء عليها ، والثاني : أن يأمن المطالبون بذلك إراقة الدماء ، والفتنة ، والقطيعة .
وديننا وإن كان يوجه المسلم إلى الصبر على ما يقع عليه من ظلم ، فذلك لأنه قد يفارق الحياة الدنيا في أية لحظة ، وسيجد ثواب الصبر ، كما أنه لا يمنع من عزل الحاكم إذا كفر كفرا صريحا باتفاق العلماء ، أو رخص فيما هو محرم يقينا على ما ذكره بعضهم .
وعامة معارضي النظامين الليبي والسوري يرون أن ما حدث من اقتتال ودمار أمر ضروري للتخلص من إرث ثقيل من التخلف والحرمان ، وكبت الأنفاس ، وغياب المؤسسات ، وقمع الحريات ، وغير ذلك مما يرون كلا منها جدير بقلب النظامين وغيرهما ؛ وأنه كان الأولى للقذافي وبشار أن يتركا منصبيهما ويغادرا البلدين ، فمن غير المقبول أن يحرصا على كرسي الحكم بأي ثمن ، والابتعاد عن كل ما يسبب إراقة دماء الناس في بلدانهم أهمّ بكثير من الحكم إذا كانوا حريصين على الناس كما يزعمون ، والنظامان الدمويان المذكوران ومن ساندهما ووقف معهما بأي نوع من أنواع المساندة هم السبب ، فلو لم يستعملا القوة ضد المتظاهرين لما سالت الدماء ، ولا حل بالبلدين هذا الدمار ، ولو لم يساندهم البعض لما كانت هذه القطيعة بين الناس ، فالعالم قد توصل إلى ما يحفظ حقوق الشعوب من اعتداء حكوماتها عليها ، ويمنع من استبدادها ، ولا وجود لما يمنع من الأخذ بما توصلت له تلك الشعوب ، فلا علينا لو اتخذناها أسلوبا لتنظيم العلاقة بيننا وبين حكامنا ، من دون أن نتضرر لولا حرص الحكام على البقاء في الكرسي .
والجواب عن هذا : بأن فكرة التظاهر فكرة غربية منقولة إلى شرقنا ، وثمة فرق بين المتظاهرين هنا والمتظاهرين هناك ، وهو أنه حين يخرج البعض منا في مظاهرة للمطالبة بالإصلاح لا يتوقفون أبدا حتى يسقط النظام ، في حين أن المتظاهرين في الغرب يخرجون للمطالبة بإصلاحات محددة ، ثم يعودون أدراجهم إلى بيوتهم وأعمالهم العادية في نفس اليوم ، ولو لم تتحقق مطالبهم التي خرجوا من أجلها ، لأن الهدف من التظاهر هناك : الإعلان عن موقف في قضية من القضايا ، وإبلاغ المسئولين برأيهم في تلك القضية ، وإسماع المسئولين رأي المتظاهرين ، أما هنا فالناس يقولون إنهم يريدون الإصلاحات فقط لا غير ، أما في الواقع فالهدف إسقاط الحكومات ، ولهذا فهم لا يتوقفون حتى يحصلوا على مطلبهم .
وكل إناء بما فيه ينضح ، الهدف في الغرب تحقيق إصلاحات لا إسقاط الحكومات ، فهناك نوع من التوافق بين ما يظهرونه وما يخفونه ، أما هنا فهناك تناقض بينهما ؛ ونحن نعيش في جيل معظم الناس فيه ضعاف الإيمان ، ثم بينت الأحداث أن بعض العلماء ضعاف الإيمان كذلك ، وأن الانقياد للدين قد بات غريبا بين المسلمين ، وفي هذا الإطار توضع هذه الرؤية التي تريد من الحاكم أن ( يهرب ) لمجرد أن يصيح بعض الناس في الميدان : الشعب يريد إسقاط الرئيس !! الشعب يريد إسقاط النظام !! فهل مع هذه الرؤية ( التي لا تستحق الاحترام ) يستقيم أمر أي بلاد من البلدان ؟! وهل يستقر قرار في أي قطر من الأقطار ؟! إنه بناء على هذا لا تنظم الكلمة ، ولا يصلح أمر أية أمة ؛ وهل جاء بهذا أي دليل شرعي أو رأي علمي ؟ يا للسخافة !!.
ويرد على هذا ما تقدم من قول الجويني في غياث الأمم : " ولو تخير الرعايا في خلع إمام الخلق على حكم الإيثار والاختيار لما استتب للإمام طاعة ، ولما استمرت له قدرة واستطاعة ، ولما صح لمنصب الإمامة معنى " وقول ابن عاشور في التحرير : " ولأن ترك قتال الباغية يجرّ إلى استرسالها في البغي ، وإضاعة حقوق المبغي عليها في الأنفس ، والأحوال ، والأغراض ، والله لا يحب الفساد ، ولأن ذلك يجرّئ غيرها على أن تأتي مثل صَنيعها ، فمقاتلها زجر لغيرها " وكل منهما يستدل له بما روي أن الخليفة عثمان رآى رسول الله في المنام فقال له : " قد قمّصك الله قميصا ، فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه " وبناء عليها : فإن رسول الله يمنع الحاكم من الاستجابة لمطلب الرعاع والغوغاء ، وهكذا تعاطى الخليفة معهم ولم يجبهم لمطلبهم ، فهل سيتجرأ البعض ويخالف هذا الأمر النبوي ويتبع هواه ؟ !.
وهل يجب على كل حاكم ( بناء على هذا الرأي الأخرق ) مخالفة أقوال العلماء عن وجوب مواجهة من ينازعونه في الحكم وعدم ترك البلاد لهم ، هل نقول للخارجين الذين فعلوا ما نهي عنه الشرع : امضوا على رأيكم ولا تلتفتوا للقول بأنكم بغاة آثمون ؟! هل من يفعل ما هو واجب عند جميع العلماء نقول له اترك ذلك الواجب ، ومن يفعل ما هو منهي عنه نقول له امض في طريقك ولا تلفت لقول أحد ؟ !!.
إن المطالبة بوقف القتال وحقن الدماء هو أمر واجب ، وكان يجب توجيهه لمن خرجوا يرددون هذه العبارات وغيرها ، فهم الذين يحملون عاره في الدنيا ووزره يوم الدين ، فما فعلوه محرم شرعا قولا واحدا ، أما الحاكم فلا وزر عليه ، لأنه مأمور شرعا بمواجهتهم بإجماع العلماء ، وهم مأمورون بعدم الاستمرار في مقاتلته إذا شرعوا فيه ، فما يحرم الشروع فيه يحرم الاستمرار فيه ، ولذا نص العلماء الأجلاء قديما على تحميل الخارجين على الحكام تبعات ما يحصل من ظلم أو فتن ، ومن ذلك قول ابن بطال : " فمن خرج عليه متأولا بمذهب خالف فيه السنة ، أو لجور أو لاختيار إمام غيره ، سمي فاسقا ، ظالما ، غاصبا ، في خروجه ، لتفريقه جماعة المسلمين ، ولما يكون في ذلك من سفك الدماء " وهذا هو الحق فهتافاتهم هذه لا تزيد عن أن تكون نزاعا على الحكم لمن لا يجوز منازعته فيه ، وهو منهي عنه شرعا .
كما أن الواجب على عامة الناس عند العلماء أن يمدوا يد العون والمساعدة لأي نظام يواجه الذين حملوا السلاح في وجهه ، وإن كان في النظام فساد كبير فالواجب وقف الفساد ، وليس إسقاطه ، إن التسليم بفساد أي نظام لا يبيح عزله عقلا ولا شرعا ، أما عقلا : فلأن الحاكم مثله مثل غيره من المسلمين قد تقع منه هذه المخالفة أو تلك ، وحين يعلم الناس أن العزل بالقوة سيترتب عليه اقتتالهم ، فإن العقلاء ينادون بوقف نزف الدم قبل كل شيء ؛ وأما شرعا فلما يأتي من وجوب قتال البغاة بإجماع العلماء ، فمساعدة كل حاكم في مواجهتهم هو أمر واجب على كل قادر ، كما سيأتي ، وهو من باب التعاون على أمر واجب ، وذلك عمل يثاب عليه كل من ساهم فيه أو دعا إليه.
والاستفادة مما وصلت إليه شعوب العالم من تشريعات تمنع الحكام من الاستبداد والفساد وسرقة خيرات البلاد ، أمر مقبول ما لم يكن سبيله محفوفا بالاقتتال والفتنة والقطيعة ، أما لو علمنا أن طريقه مفروش بالدماء والأشلاء ، فإن الحفاظ على حياة هؤلاء ، وعلى تماسك المجتمعات والمودة بين المسلمين أهم من تحقيق هذه الطموحات التي يتطلع إليها هؤلاء ، وسنعيد ما كتبه الجويني تذكيرا به فيه من فائدة ، وهو قوله : " وإن علمنا أنه لا يتأتى نصب إمام دون اقتحام داهية دهياء ، وإراقة دماء ، ومصادمة أحوال جمة الأهوال ، وإهلاك أنفس ونزف أموال ، فالوجه أن يقاس ما الناس مدفوعون إليه مبتلون به بما يفرض وقوعه في محاولة دفعه ، فإن كان الواقع الناجز أكثر مما يقدر وقوعه في روم الدفع ، فيجب احتمال المتوقع له لدفع البلاء الناجز ، وإن كان المرتقب المتطلع يزيد في ظاهر الظنون إلى ما الخلق مدفوعون إليه ، فلا يسوغ التشاغل بالدفع ، بل يتعين الاستمرار على الأمر الواقع ".
وكافة الشرائع السماوية والقوانين الدستورية لا مكان فيها للِغْوِ بعض المثقفين هذا ، فللحاكم أن يبقى في منصبه طالما كان قادرا صحيا على الإمساك بزمام الأمور ، ولا وجود لنص شرعي أن الحاكم إذا بلغت مدة حكمه كذا وكذا من السنين ، أو إذا نادى البعض بخلعه فالواجب عليه ترك منصبه ؛ ولو سلمنا بأنه إذا قال بعض الناس للحاكم اترك المنصب حقنا للدماء يجب عليه شرعا تلبية طلبهم ذلك فلن يستقر قرار في أي قطر من الأقطار ، وسيخرج في كل وقت من يطلبون هذا الطلب من هذا الحاكم أو ذاك ، فلا مناص من إلغاء هذه الفكرة ، هذا ما نص عليه علماؤنا ، ومنهم الجويني الذي قال في الغياث : " فإن عقد الإمامة لازم ، لا اختيار في حله من غير سبب يقتضيه ، ولا تنتظم الإمامة ولا تفيد الغرض المقصود منها إلا مع القطع بلزومها "
إننا نحن أتباع الدين الإسلامي نجد النصوص صريحة في نهينا عن عزل الحاكم من منصبه وأن نزع اليد من الطاعة ومنازعة الحاكم في الحكم منهي عنهما ، وأعطانا البديل الذي يحقق نفس الأهداف من هذه التحركات الإصلاحية ، وهو إما عزله دون إراقة دماء ، أو الطلب منه أن يضع حدا لذلك الظلم والفساد ، وأي حاكم سيستجيب يوما ، ولو بعد حين من المراجعات المتتالية ، وفائدة هذا الأسلوب : البقاء على تماسك المجتمع وتآلف المسلمين فمن خالف ما ذكر وعمل على العزل بالقوة المسلحة فهل هو من البغاة ؟ ما هو البغي ؟ وما هي أحكامه ؟.


البغاة في نظر الفقهاء
بما أن الحكم الشرعي أن كل جماعة تعمل على إسقاط الحكومة تسير أمور البلاد بوجه سيء أو حسن بالقوة هي فئة باغية عند فقهاء المذاهب الأربعة ، وبما أن البغاة عصاة شرعا ، وحيث إن البعض قد يشكك في هذا ، ويصر على أن لا مناص من إسقاط هذه الأنظمة ، مهما كان ثمنه ، فاقتضى ذلك تبيينه تبيينا جليا ، وسيتضح هذا فيما يلي : ــ
تعريف البغاة :
البغاة جمع ، مفردها باغ ، والباغي هو الطالب ، فمن يطلب شيئا فهو باغ له ، سواء كان يطلب ما له فيه حق أم ما لا حق له فيه ، ثم خصه العرف اللغوي بطلب ما لاحق للإنسان فيه ؛ هذا معناها اللغوي .
أما في عرف الفقهاء المسلمين : ففي المذهب الحنفي : الخارج عن طاعة الإمام الحق بغير حق ، كما في الدر المختار ، وبما أن قوله : " الإمام الحق " ربما يفهم منه أن من يستولي بالقوة لا يأخذ حكمه أوضح ابن عابدين هذا فقال : " قوله على الإمام الحق : الظاهر أن المراد به ما يعم المتغلب لأنه بعد استقرار سلطنته ونفوذ قهره لا يجوز الخروج عليه ، كما صرحوا به ".
وفي المذهب المالكي : جاء في تعريف الباغي في الذخيرة : أنه الذي يخرج على الإمام يبغي خلعه ، أو يمتنع من الدخول في طاعته ، أو يمنع حقا وجب عليه ، بتأويل.
وفي المذهب الشافعي جاء في الإقناع : وهم مسلمون مخالفو إمام ، ولو جائرا بأن خرجوا عن طاعته بعدم انقيادهم له ، أو منع حق توجه عليهم.
وفي المذهب الحنبلي : جاء في الإقناع : والخارجون عن قبضته أصناف أربعة ، أحدها ...... الرابع : قوم من أهل الحق باينوا الإمام ، وراموا خلعه أو مخالفته ، بتأويل سائغ ، صواب أو خطأ ، ولهم مَنَعَةٌ وشوكة ، يحتاج في كفهم إلى جمع جيش ، وهم البغاة " وفي أسنى المطالب : " وليس فيها ( أي في آية : فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي ) ذكر الخروج على الإمام ، لكنها تشمله ، لعمومها ، أو تقتضيه ، لأنه إذا طلب القتال لبغي طائفة على طائفة ، فللبغي على الإمام أولى ، وفيه أطراف أربعة : الأول في صفتهم ، وهم الخارجون عن الطاعة لإمام أَهل العدل ، ولو جائرا ، بِامتناعهم من أداء حق توجّه عليهم ، بتأويل فاسد ، لا يقطع بفساده بل يعتقدون بِه جواز الخروج ، كتأويل الخارجين على علي بأنه يعرف قتلة عثمان ويقدر عليهم ، ولا يقتص منهم ، لمواطأته إياهم ".
وعليه فالخارجون على الحكام بغاة ، لعلمهم أن الرد على احتجاجاتهم سيكون بقوة ، ومع هذا قرروا مواجهتهم ؛ ولخروجهم على حكام رضي الناس بهم ، ولا عبرة باعتراض البعض ، فلا يشترط رضا الجميع ، وكل من تولى منصبه فمن يريد خلعه هو باغ ، وحكمه كما يلي : ــ

أحكامهم

1 أنهم عصاة وليسوا كفارا

مخالفة أي أمر من أوامر أو نهي شرعي عملي ( ومنه البغي ) هو عصيان ، وقد الله أمر بعقاب من يفعله وليس كفرا ، ففي البغي قال :" وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ " قال القرافي في الذخيرة : " وفيها أربع فوائد ، الأولى : أنه تعالى لم يخرجهم بالبغي عن الإيمان ، لأنه تعالى سماهم مؤمنين " وأضاف : " فأبقى عليهم اسم الإيمان وأخوّته ، مع أنهم قد تقاتلوا وبغت إحداهما على الأخرى " وقال عبد الله بن مودود في الاختيار : " الخوارج والبغاة مسلمون ، قال تعالى : " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما " وقال علي رضي الله عنه : " إخواننا بغوا علينا " .

2 أنه يستوي في هذا الحكم : خروج الناس على الحاكم العادل وغيره

يظن البعض أن كلام العلماء عن البغاة خاص بالحاكم العادل ، فذلك الذي يحرم على الناس عزله وخلعه من منصبه ، أما غير العدول فيجوز عزلهم مهما كانت نتائج ذلك ، وأنه لا علاقة له بهؤلاء الظلمة الحاكمين اليوم ، ومن يرى تعميم الحكم ليشملهم مخطئ شرعا ، فالصواب أن العلماء لم يشترطوا للوصف بالبغي أن يكون الحاكم عادلا بل إن بعضهم صرح بأن الخارج على أي حاكم باغ مطلقا ، وذلك يشمل العدل وغيره ، ومنه ما جاء في المجموع شرح المهذب : " وسواء كان الإمام عادلا أو جائرا فإن الخارج عليه باغ " وهذا الرأي من العلماء لن يرضى عنه بعض من يصرون على إسقاط هذه الحكومات ، وقد يراه بعضهم من مظاهر التأخر العلمي الذي سيطر على الأمة ، وهذا الفريق من المثقفين والعلماء لن يجد في النصوص الشرعية ما يؤيد رأيه ، ولن تكون هناك مداهنة لأي منهم سواء قالوا إن ما جاء في المصادر حسن أو سيء ، وهم بتقييمهم وحكمهم هذا متبعون أهواءهم ، والله تعالى يقول : " وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ وَمَن فِيهِنَّ " والأدلة وآراء العلماء غير قابلة للتعديل ، بل على المخالفين أن يحدثوا تعديلا في أحكامهم المخالفة لما فيها إن كانوا ممن يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون .

3 أن قتالهم واجب على الحكومات
تقدم أن من المتفق عليه أنهم غير كفار بل هم مسلمون عصاة ، ومن المتفق عليه كذلك وجوب قتالهم ، جاء في الذخيرة : النظر الثاني في أحكامهم ، وهي اثنا عشر ، الأول : وجوب قتالهم ، لقوله تعالى : " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله " وقال في بيان حكمة ذلك : " الإتلاف إما للإصلاح في الأجساد والأرواح ، كالأطعمة والأدوية والذبائح وقطع الأعضاء المتآكلة ؛ أو للدفع كقتل الصوال ، والمؤذي من الحيوان ؛ أو لتعظيم الله تعالى كقتل الكفار لمحو الكفر من قلوبهم وإفساد الصلبان ؛ أو لنظم الكلمة كقتال البغاة ؛ أو للزجر كرجم الزناة ، وقتل الجناة ".
وقال ابن عاشور في بيان حكم قتالهم : " والأمر في قوله : فقاتلوا التي تبغي للوجوب ، لأن هذا حُكم بين الخصمين ، والقضاء بالحق واجب " وقال في بيان الحكمة من ذلك : " لأنه لحفظ حق المحق ، ولأن ترك قتال الباغية يجرّ إلى استرسالها في البغي ، وإضاعة حقوق المبغي عليها في الأنفس والأموال والأعراض ، والله لا يحب الفساد ، ولأن ذلك يجرّئ غيرها على أن تأتي مثل صَنيعها ، فمقاتلها زجر لغيرها " .
ولبيان متى يكون واجبا كفائيا ومتى يكون عينيا ، ومتى يتعين أن يتولاه الحاكم ومتى يتولاه غيره ، قال : " وهو وجوب كفاية ، ويتعين بتعيين الإمام جيشاً يوجهه لقتالها ، إذ لا يجوز أن يلي قتال البغاة إلا الأئمة والخلفاء ؛ فإذا اختلّ أمر الإمامة فليتولَّ قتال البغاة السوادُ الأعظم من الأمة وعلماؤها ؛ فهذا الوجوب مطلق في الأحوال ، تقيده الأدلة الدالة على عدم المصير إليه إذا علم أن قتالها يجرّ إلى فتنة أشد من بغيها ، وقد تلتبس الباغية من الطائفتين المتقاتلتين ، فإن أسباب التقاتل قد تتولد من أمور لا يُؤْبَهُ بها في أول الأمر ، ثم تثور الثائرة ويتجالد الفريقان فلا يُضبَطُ أمر الباغي منهما ، فالإصلاح بينهما يزيل اللبس ، فإن امتنعت إحداهما تعين البغي في جانبها ، لأن للإمام والقاضي أن يجبر على الصلح إذا خشي الفتنة ورأى بوارقها ، وذلك بعد أن تبيَّن لكلتا الطائفتين شبهتها إن كانت لها شبهة ، وَتُزال بالحجة الواضحة والبراهين القاطعة ، ومن يمتنع منهما فهو أعق وأظلم ".
وقتالهم واجب بالإجماع ، فقد جاء في التمهيد : " أجمع العلماء على أن من شق العصا ، وفارق الجماعة ، وشهر على المسلمين السلاح ، وأخاف السبيل ، وأفسد بالقتل والسلب ، فقتلهم وإراقة دمائهم واجب " وفي المهذب " إذا خرجت على الإمام طائفة من المسلمين ورامت خلعه بتأويل ، أو منعت حقا توجه عليها بتأويل ، وخرجت عن قبضة الإمام وامتنعت بمنعة ، قاتلها الإمام ".
فإن قيل : لقد خرج الناس مسالمين واضطروا لاستعمال القوة دفاعا عن أنفسهم ، فالجواب أنه لم يثبت أن استعمالهم للسلاح كان دفاعا عن أنفسهم كما يردد الكثيرون ، فهي دعوى بلا دليل ، وهذا لا يتأتى إلا بعد تحقيق محايد ، والمشاركون مخترقون بأشخاص مطلوب منهم القيام بأعمال تورط الحكومات ، كما أن امتناعهم في بعض الدول من قبول الحوار مع الحكومات قد حوّلهم إلى بغاة ، ولو لم يستعملوه وأطلقت النار من جانب الدولة سيجبرها بعد زمن قصير على التراجع ، وهذا لا يتأتى إلا إذا لم يكونوا يهدفون إلى عزل الأنظمة ، فلما كان هدفهم عزلها استعملوه بشراسة ووحشية ، وإذا : فإنهم بغاة عصاة

4 أن دعوتهم للكف عن البغي غير واجبة

يرى بعض العلماء وجوب مراسلتهم للبحث في أسباب خروجهم ، فإن تبن أن سببه مشروع رجعت الحكومة لرأيهم وعادوا لطاعتها ، فكما أن الكفار لا يبدأ بقتالهم إلا بعد دعوتهم فكذلك البغاة ؛ ورأى آخرون عدم وجوبها فهم يعلمون أن خروجهم محرم ، وأنه سبب قتال الحكومة لهم ، كابن الهُمَام الحنفي الذي يقول : " وإذا تغلّب قوم من المسلمين على بلد ، وخرجوا عن طاعة إمام الناس به في أمان ، والطرقات آمنة ، دعاهم إلى العود إلى الجماعة ، وكشف عن شبهتهم التي أوجبت خروجهم " ثم قال بعده بقليل : " وليس ذلك واجبا بل مستحب ".

5 جواز قتالهم بأي سلاح ولو أضرّ بغيرهم

بما أن الله أوجب قتال البغاة فسيخطر ببال البعض معرفة حكم قتالهم حين يكون معهم بعض المسلمين ، وكثير منهم يسمعون بما رواه البخاري في باب علامات النبوة وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار " وهذا الحديث يجعل الكثير من أفراد القوات المسلحة يترددون في توجيه الرصاص نحو المقاتلين ، مع شعور بالتذمر في المشاركة في العملية برمتها ، في حين أن خصوم الحكومات لا يترددون في قتل هؤلاء ، مع أن الحكم المتفق عليه هو على عكس هذا تماما ، فمن يقاتل مع الحكومات فلا إثم عليه إن قتل فردا أو ألفا من خصوم الحكومات ، في حين أن من قتل فردا أو أكثر من قوات الحكومة عاص بلا شك ، وهو من أهل النار سواء قتل غيره أو قتله غيره ، فحكم قتالهم إذا : أنه مأمور به شرعا ، وأن الله بقتالهم مع الحكم بإيمانهم ، فإطلاق النار عليهم بقصد قتلهم مأمور به شرعا ، ولا يحميهم وجود مسلمين بينهم بل يجب على غيرهم الابتعاد عنهم ، فإن لم يستطيعوا الهروب فإن ذلك لا يمنع من قتالهم ، ومن مات باغيا لقي الله عاصيا ومن كان غير باغ فليس عاصيا .
واستثنى البعض وجود نساء وأطفال معهم قد يلقون مصرعهم ، فلم ير رميهم بالنار مخافة إصابة هؤلاء المستضعفين ، وعن هذا يقول بعض علماء المالكية : " ويقاتلهم بالسيف ، والرمي بالنبل ، والمنجنيق ، والتغريق والتحريق ، وقطع الميرة والماء عنهم ، إلا أن يكون فيهم نسوة أو ذراري ، فلا نرميهم بالنار " .
ولم يقيد غيرهم بهذا القيد ، ورأى أن القتال واجب إذا اضطروا لذلك ، فيقول صاحب المهذب : " ولا يجوز قتالهم بالنار والرمي عن المنجنيق من غير ضرورة ، لأنه لا يجوز أن يقتل إلا من يقاتل ، والقتل بالنار أو المنجنيق يعم من يقاتل ومن لا يقاتل ، وإن دعت إليه الضرورة جاز " ويرى ابن قدامة نحوه فيقول في الشرح الكبير : " ولا يقاتلهم بما يعم إتلافه كالمنجنيق والنار إلا لضرورة " وقال في تعليله بعد ذلك : " لأنه لا يجوز قتل من لا يقاتل ، وما يعمُّ إتلافه يقع على من لا يقاتل ، فان دعت إلى ذلك ضرورة مثل أن يحتاط بهم البغاة ، ولا يمكنهم التخلص إلا برميهم بما يعُمّ إتلافه ، جاز" .
ويقول السرخسي في المبسوط : " يجوز قتالهم بكل ما يجوز القتال به من أهل الحرب ، كالرمي بالنبل ، والمنجنيق ، وإرسال الماء والنار عليهم ، والبيات بالليل ، لأن قتالهم فرض كقتال أهل الحرب والمرتدين " .
فهؤلاء علماء عديدون من المذاهب الأربعة يصرحون بأن قتال البغاة لا يشترط فيه سلامة من سواهم من المسلمين ، لأن البغاة عادة ما يكونون بين مسلمين يحتمون بهم ، فلو قيل بعدم جواز قتالهم ومعهم المدنيون لن تستطيع حكومة وضع الأمر بقتالهم موضع التنفيذ ، وبهذا تسقط الذريعة التي يتذرع بها كثير ممن قاتلوا في صفوف القوات التي تقاتل المسلحين ، انطلاقا من أمرين : أولهما : انه حين يقتتل المسلمان فالقاتل والمقتول في النار ، والثاني أن قتالهم قد يترتب عليه قتل من ليس منهم بل وجد نفسه وسطهم اضطرارا وكلتاهما فكرة لا قيمة لها شرعا ، أما المسلحون فإن الله أمر بقتالهم ، وهذا مجمع عليه كما تقدم ، فمن اشترك في رميهم بالقذائف وغيرها مأجور على ذلك ، وعمله طاعة لله رب العالمين ، وكل جهد بذله في ذلك فهو في ميزان حسناته ما لم يكن يرى أنه مكره ، فمن كان كذلك لا ثواب له ، بل سينقلب الموضوع في حقه ، فكل ذلك في ميزان سيئاته يوم القيامة ، وبما أن الله لا يظلم الناس شيئا ، فإن من كان يرميهم ويرى ذلك واجبا عليه ، ثم أوهمه بعض علماء وأئمة الضلال أنه عاص فتوهم أن ذلك لا يجوز له ، فقد خلط عملا صالحا وآخر سيئا ، وسيميز الله الخبيث من الطيب .
هذا بالنسبة لمن وجه سلاحه لضرب المسلحين المجرمين ، أما من كان يرميهم ويظن أنه سيصيب بعض الأبرياء ، فقد علم الآن أقوال العلماء المهتدين المتقدمين ، فما فعله من ذلك سيثاب عليه ، ويقال فيه ما تقدم في من يقتل المسلحين المسلمين .

6 جواز قتل الأقارب منهم والجيران ومعاقبتهم ، إلا الأب

وبما أن البغاة مسلمون وقتالهم مأمور به فقد يكون بعض أقاربهم وجيرانهم في صفوف قوات الحكومة ، وفي هذه الحالة يجوز لمن هم في صفوف الحكومة قتل قرابتهم ولو كانوا إخوتهم باستثناء الأب ، فقال بعضهم يكره لمن هو في صفوف الحكومة أن يقتل أباه إذا رآه مع البغاة الخارجين على الحكومة ، وقال بعضهم لا يجوز ذلك إذا كان في سعة من الأمر ، فإن لم يجد بدا من قتله فله قتله ، وعن هذا قال خليل بن إسحاق من المالكية : " وكره لرجل قتل أبيه " ونقل صاحب التاج والإكليل عن سحنون من متقدمي المذهب المالكي قوله : " ولا بأس أن يقتل الرجل في قتالهم أخاه وقرابته ، فأما الأب وحده فلا أحب قتله تعمدا ، وكذلك الأب الكافر ".
وقال بعض علماء الشافعية : " وإن كان لرجل من أهل العدل قريب في أهل البغي يقاتل فيستحب له أن ينحرف من قتله ، مادام يمكنه ذلك ، لقوله تعالى : [ وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا ] فأمره بمصاحبتهما بالمعروف في أسوا حالهما ، وهو دعوتهما إياه إلى الشرك ، وروى أن أبا بكر أراد أن يقتل أبا قحافة يوم أحد ، فكفه النبي عن ذلك ؛ فإن لم يمكنه قتال أهل البغي إلا بقتل أبيه فقتله فلا شيء عليه ، لما روى أن أبا عبيدة قتل أباه ، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم سمعته يسبك ، وإذا ثبت هذا في حق المشرك كان في حق أهل البغي مثله " وعليه ، فما يفعله بعض رجال الأمن بجيرانهم وأقاربهم من خصوم الحكومات لا شيء فيه شرعا ، ولا ينبغي أن يشعروا بالخجل ، أو بتأنيب الضمير كما يقال .

7 أنه يجب على الناس معاونة الحكومات على قتال البغاة

بما أن قتال من يريدون الإطاحة بحاكم مسلم لم يكفر كفرا صريحا هو واجب شرعا ، فإن الواجب على الناس أن يقفوا إلى جانب حكومتهم ولو كثرت أخطاؤها ، فالحل الشرعي لمثل هذه الحكومة طلب تلافي الخطإ في المستقبل وتعويض من وقع من ظلم منها ، أما العمل على خلعها ولو بالقوة فغير جائز قولا واحدا ، إلا إذا أمنوا وقوع فتنة وظلم ، وبهذا قال عدد من الفقهاء ، جاء في المبسوط من كتب الأحناف " فإن كان المسلمون مجتمعين على واحد وكانوا آمنين به والسبيل آمنة فخرج عليه طائفة من المسلمين ، فحينئذ يجب على من يقوى على القتال أن يقاتل مع إمام المسلمين ، الخارجين ، لقوله تعالى : [ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي ] والأمر حقيقة للوجوب ، ولأن الخارجين قصدوا أذى المسلمين ، وإماطة الأذى من أبواب الدين ، وخروجهم معصية ففي القيام بقتالهم نهي عن المنكر وهو فرض ، ولأنهم يهيّجون الفتنة ، قال صلى الله عليه وسلم : " الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها "
وقال ابن عابدين في حاشية رد المحتار : " وإن لم يكن ذلك لظلم ظلمهم ، ولكن لدعوى الحق والولاية ، فقالوا : الحق معنا ، فهم أهل البغي ، فعلى كل من يقوى على القتال أن ينصروا إمام المسلمين على هؤلاء الخارجين ، لأنهم ملعونون على لسان صاحب الشرع ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها " فإن كانوا تكلموا بالخروج لكن لم يعزموا على الخروج بعد فليس للإمام أن يعترض لهم لأن العزم على الجناية لم يوجد بعد "
وقال كمال الدين بن الهمام في فتح القدير : " ويجب على كل من أطاق الدفع أن يقاتل مع الأمام ، إلا أن أبْدَوْا ما يجوّز لهم القتال ، كأنْ ظلمهم أو ظلم غيرهما ظلما لا شبهة فيه ، بل يجب أن يعينوهم حتى ينصفهم ويرجع عن جوره ، بخلاف ما إذا كان الحال مشتبها انه ظلم ، مثل تحميل بعض الجبايات التي للإمام أخذها " .
وقال ابن قدامة في المغني : " وواجب على الناس معونة إمامهم في قتال البغاة ، لما ذكرنا في أول الباب ، ولأنهم لو تركوا معونته لقهره أهل البغي ، وظهر الفساد في الأرض " .
ولهذا لو كان خروجهم احتجاجا على ظلم الحكومة لهم ، لا يجوز للناس إعانتها عليهم ، يقول ابن بطال بشرح البخاري : " وكذلك لا يجوز القتال معهم لمن خرج عليهم عن ظلم ظهر منهم " ويقول أيضا : " فإن قاتلهم الإمام الجائر لم يقاتلوا معه ، ولم يجز أن يسفكوا دماءهم في نصره " فقد جعل جوره وظلمه مانعين من إعانة الناس له على قتالهم .

8 أن من مات ممن يقاتل مع الحكومة شهيد

بما أن الله سبحانه أمر بقتال البغاة ، فإن من مات أثناء مواجهتهم فهو شهيد ، ففي فتح القدير : " ومن قتله أهل الحرب أو أهل البغي أو قطّاع الطريق ، فبأي شيء قتلوه كان شهيدا ، لأن القتل في قتالهم مثله في قتال أهل الحرب ، لأن قتالهم مأمور به كأهل الحرب "
وبهذا علل البهوتي من علماء الحنابلة أيضا ، فقال : " لأنه قُتٍل في قتال أمره الله تعالى به كشهيد معركة الكفار" ويقول القرافي المالكي في الذخيرة : " ولا يغسَّل من قتلته البغاة ، لأن عليا لم يغسل من قُتِل معه ، ولأنهم في نُصْرة الدين كقتال المشركين " ويقول النفراوي المالكي أيضا : " وهذا الفضل ( يعني فضل الاستشهاد ) وإن كان الظاهر أنه في قتال الكفار فيدخل فيه من خرج في قتال البغاة وقطاع الطريق وفي إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ".

9 عدم جواز الصلاة على من مات من البغاة

يرى بعض العلماء عدم جواز الصلاة عليهم ، قال القرافي في الذخيرة : " وقال أبو حنيفة : لا يصلى على المحارب ، لأن قتله خزي ، فلا يكون سببا للرحمة " أي : أن الله قد حكم بقتلهم خزيا لهم فلو صلوا عليهم ودعوا لهم بالرحمة سيكون قتلهم سببا في رحمتهم ، وهذا ممتنع .

10 أنهم لا يغسلون عند بعض العلماء

كما أن من العلماء من يرى عدم جوزا الصلاة عليهم ، فكذلك يرى البعض عدم تغسيلهم كما يغسل سائر الموتى ، قال السرخسي في المبسوط : " ولا يصلى على قتلى أهل البغي ، ولا يغسلون أيضا ، ولكنهم يدفنون لإماطة الأذى ".

11 أنهم في نظر العلماء فاسقون ظالمون غاصبون

والبغاة في نظر العلماء فاسقون ، ظالمون ، غاصبون ، يقول ابن بطال في ذلك مبينا سببه : " وإن كان الإمام غير عدل فالواجب عند العلماء من أهل السنة ترك الخرج عليه ، وأن يقيموا معه الحدود : الصلوات والحج والجهاد ، وتؤدى إليه الزكوات ، فمن قام عليه من الناس متأولا بمذهب خالف فيه السنة أو لجور أو لاختيار إمام غيره ، سمى فاسقًا ظالمًا غاصبًا في خروجه ، لتفريقه جماعة المسلمين ، ولما يكون في ذلك من سفك الدماء ".
إن الأنظمة العربية كانت تحكم بطرق تعسفية ، وانتشر في كل المجتمعات الظلم والاستبداد ، وعم الفساد ، ولكن هذا لا يعطي الناس الحق في إسقاطها بقوة السلاح ، وإنما يعطيهم الحق في مطالبتها بتغيير سياستها ، وبخلعها إذا أمنوا إراقة الدماء والفتنة ، أما الإصرار على العزل وليكن ما يكون ، فلا يقبله عاقل ولا يبيحه الدين ، فكل من يشترك فيه أو يدعو له أو بساهم فيه بأي شكل من الأشكال فقد باء بغضب من الله ، بقدر الدماء التي تراق ، والعائلات التي تشرد ، والقطيعة التي تقع ، والأحقاد التي تنبعث .

12 أن من مات منهم فميتته جاهلية ودمه مهدور لا تعويض فيه

ومن مات من الخارجين على أي حاكم لم يكفر كفرا صريحا فميتتهم جاهلية ، لما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من كره من أميره شيئا فليصبر ، فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية " ومن مات ممن خرجوا على أي حاكم لم تعجبهم طريقته في إدارة البلد ، فدمه مهدور لا تعويض فيه ، جاء في الإكمال للقاضي عياض : " ومن قتل من جميع البغاة كانوا أهل بدعة ، أو طالبي رئاسة في حال القتال ، فدمهم هدر ، وما استهلك من أموالهم حينئذ فجُبَار " وكل هذا لأنهم ماتوا في قتال منهي عنه شرعا


13 أن للحاكم الاستعانة عليهم بغير المسلمين

إن استعانة الحاكم بغير المسلمين أجازه بعضهم ، لأنه مأمور بقتالهم ، جاء في تفسير الألوسي لقوله تعالى : " واستدل بها على أنه لا ينبغي الاستعانة بالكافر ، وهو في أمور الدين كجهاد الكفار ، وقتال أهل البغي مما ذهب إليه بعض الأئمة ولبعضهم في ذلك تفصيل " وعليه فهذا النوع من الاستعانة جائز عند البعض .

هذا ما تيسر جمعه ،،،،،،،،،،،، والله أعلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الجزء 6 والأخير من ضوابط العلاقة بين الحاكم والمحكوم في الإسلام
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى وموقع نادي الإمام مالك العلمي :: القسم العام :: معرض المواضيع والإبداعات الشخصية-
انتقل الى: